والقياس الصحيح نوعان : أحدهما : أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح : أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال : ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم . وقد أجمع المسلمين على أن هذا الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة ، وذلك السمن . فلهذا قال جماهير العلماء : إن أي نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت ، وكالهر الذي يقع في السمن فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن . ومن قال من أهل الظاه الجواب إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن فقد أخطأ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة ، لكن لما استفتي عنها أفتى فيها ، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو عن نوع فأجاب المفتى عن ذلك خصه لكونه سئل عنه ، لا لا ختصاصه بالحكم . ومثل هذا : أنه سئل عن رجل أحرم بالعمرة ، وعليه جبة مضمخة بخلوق فقال : انزع عنك الجبة ، واغسل عنك الخلوق ، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك . فأجابه عن الجبة ، ولو كان عليه قميص أو نحوه كان الحكم كذلك بالإجماع . والنوع الثاني من القياس : أن ينص على حكم لمعنى من المعاني ويكون ذلك المعنى موجودا في غيره فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوى بينهما ، وكان هذا قياسا صحيحا . فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما ، وهما من باب فهم مراد الشارع فإن الاستدلال بكلام الشارع بتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه ، وعلى أن يعرف مراده باللفظ . وإذا عرفنا مراده فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك لا لمعنى يخص الأصل ، أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك ، وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس ، كما أنه علمنا ان الحج خص به الكعبة ، وان الصيام الفرض خص به شهر رمضان ، وان الاستقبال خص به جهة الكعبة ، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس ، ونحو ذلك فإنه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره .
الفتاوى الكبرى · الجزء ١ · الصفحة ٤٩٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ١ · ص ٤٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي