وإذ قد خلق ليعلم به فتوجه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفكر والنظر ، كما أن إقبال الإذن على الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع ، وانصراف الطرف إلى الأشياء طلبا لرؤيتها هو النظر فالفكر للقلب كالإصغاء للأذن إذا سمعت ما أصغت إليه ، ومثله نظر العينين في شيء ، وإذا علم ما نظر فيه فذاك مطلوبة ، كما أن الأذن إذا سمعت ما أصغت إليه ، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه . وكم من ناظر مفكر لم يحب العلم ولم ينله ، كما أنه كم من ناظر إلى الهلال لا يبصره ، ومستمع إلى صوت لا يسمعه ، وعكسه من يؤتى علما بشيء لم ينظر فيه ، ولم تسبق منه سابقة فكر كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه ، أو سمع قولا من غير أن يصغي إليه . وذلك كله لأن القلب بنفسه يقبل العلم ، وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعداد قد يكون فعلا من الإنسان فيكون مطلوبا ، وقد يأتي فضلا من الله فيكون موهوبا فصلاح القلب وحقه ، والذي خلق من أجله ، هو أن يعقل الأشياء ، لا أقول أن يعلمها فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلا له . بل غافلا عنه ، ملغيا له ، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه فيكون وقت الحاجة إليه غنيا فيطابق عمله قوله ، وباطنه ظاهره ، وذلك هو الذي أوتي الحكمة : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا البقرة : 269 ] ، وقال أبو الدرداء : إن من الناس يؤتى من علما ، ولا يؤتى حكما ، وإن شداد بن أوس ممن أوتي علما وحكما . هذا مع أن الناس متباينون في نفس أن يعقلوا الأشياء من بين كامل وناقص ، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير ، وجليل ودقيق ، وغير ذلك . ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ينال به العلم ، يدرك - أعني العلم - الذي يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات ، دون ما يشاركه فيه ، من الشم الذوق واللمس ، وهنا يدرك به ما يحب ويكره ، وما يميز به من يحسن إليها ويسيء ، إلى غير ذلك . قال الله - تعالى - : ^ و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ^ النحل : 78 ] وقال : ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة النحل : 78 ] وقال : ^ ولا تقف ما ليس لك به علم إن
الفتاوى الكبرى · الجزء ١ · الصفحة ٣٣١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ١ · ص ٣٣١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي