عجوز علتها كبرة وملاحة أقاتلتي يا للرجال عجوز
عجوز لو ان الماء ملك يمينها لما تركتنا بالمياه نجوز
[1.8.5]
ومن لؤم الغرائز أن من الناس من يحب الذم كما يحب غيره المدح ويرتاح للهجاء كما يرتاح غيره للثناء ومنهم من يغرى بذم قومه وسب نفسه وآبائه وشتم عشيرته منهم عميرة بن جعل التغلبي وهو القائل [طويل]
كسا الله حيي تغلب ابنة وائل من اللؤم إصغارا بطيئا نصولها
ومنهم الحرمازي وهو القائل [رجز]
إن بني الحرماز قوم فيهم عجز وتسليط على أخيهم
فابعث عليهم شاعرا يخزيهم يعلم منهم مثل علمي فيهم
ومنهم النحيف وهو القائل في أمه [بسيط]
يا ليتما أمنا شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار
ليست بشبعى ولو أسكنتها هجرا ولا بريا ولو حلت بذي قار
تلهم الوسق مشدودا أشظته كأنما وجهها قد طلي بالقار
خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته وهي صناع الأذى في الأهل والجار
[1.8.6]
ومنهم الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه فقال في أمه [وافر]
تنحي فاقعدي مني بعيدا أراح الله منك العالمينا
ألم أوضح لك البغضاء مني ولكن لا إخالك تعقلينا
أغربالا إذا استودعت سرا وكانونا على المتحدثينا
وقال لأبيه [وافر]
لحاك الله ثم لحاك حقا أبا ولحاك من عم وخال
فبئس الشيخ أنت على المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حياك ربي وأبواب السفاهة والضلال
وقال لنفسه [طويل]
أبت شفتاي اليوم ألا تكلما بشر فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها شوه الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله
[1.8.7]
وأتى عيينة بن النهاس العجلي مادحا فقال عيينة لوكيله اذهب معه إلى السوق فلا يشيرن إلى شيء ولا يسومن به إلا اشتريته له فلما انصرف عنه قال [طويل]
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا فسيان لا ذم عليك ولا حمد
[1.8.8]
ومن لؤم الغرائز أيضا في الناس أن منهم من يؤثر ريح الكراييس على ريح اليلنجوج وريح الحشوش على نفحات الورد ويهتاج من النساء لذات القبح والدفر ويكسل عن الحسناء ذات العطر ومنها أن الرجل يكون في رخاء بعد بؤس وسعة بعد ضيق فيسأم ما هو فيه ويرغب عنه إلى ما كان عليه وقال أعرابي قدم المصر فحسنت حاله [بسيط]
أقول بالمصر لما ساءني شبعي ألا سبيل إلى أرض بها جوع
ألا سبيل إلى أرض بها غرث جوع يصدع منه الرأس يرقوع
وهذا وأشباهه من لئيم الغرائز كثير في الأمم.
[1.8.9]
وهذه الطبائع هي أسباب الشرف وأسباب الخمول فذو الهمة تسمو به نفسه إلى معالي الأمور وترغب به عن الشائنات فيخاطر في طلب العظيم بعظيمته ويستخف في ابتغاء المكارم بكريمته ويركب الهول ويدرع الليل ويحط إلى الحضيض وتأبى نفسه إلا علوا حتى يسعد بهمته ويظفر ببغيته ويحوز الشرف لنفسه وذريته ومن لا همة له جثامة لبد يغتنم الأكلة ويرضى بالدون ويستطيب الدعة وإن أعدم لم يأنف من ذل السؤال والجبان يفر عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه والشجاع يحمي من لا يناسبه بسيفه ويقي الجار والرفيق بمحبته والبخيل يبخل على نفسه بالقليل والجواد يجود لمن لا يعرفه بالجزيل وقال الله عز وجل 09 ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ يريد قد أفلح من أنمى نفسه بالمعروف وأعلاها وقد خاب من أسقطها بلئيم الأخلاق وأخفاها.
[1.8.10]
وقد يكون الرجل مخالفا لأبيه في الأخلاق وفي الشمائل أو في الهمم أو في جميع ذلك لعرق نزعه من قبل أجداده لأبيه وأمه وقال الشاعر [متقارب]
وأشبهت جدك شر الجدو د والعرق يسري إلى النائم
[1.8.11]
ومن الناس الشريف الحسيب وذلك الذي جمع إلى محاسن آبائه محاسن نفسه ومنهم الشريف ولا حسب له وذلك إذا كان لئيم النفس ومنهم من لا شرف له ولا حسب وذلك إذا كان لئيم النفس لئيم السلف.
[1.8.12]
وقال قيس بن ساعدة لأقضين بين العرب قضية ما قضى بها أحد قبلي ولا يردها أحد بعدي أيما رجل رمى رجلا بملأمة دونها كرم فلا لؤم عليه وأيما رجل ادعى كرما دونه لؤم فلا كرم له. يعني أن أولى الأمور بالمرء خصاله في نفسه فإن كان شريفا في نفسه وآباؤه لئام لم يضره ذلك وكان الشرف أولى به وإن كان لئيما في نفسه وآباؤه كرام لم ينفعه ذلك. ومثله قول عائشة كل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به وكل لؤم دونه شرف فالشرف أولى به وقال الشاعر في مثله [طويل]