[1.5.6]
ويقصد لقول القائل [طويل]
أيا بنة عبد الله وابنة مالك ويا بنة ذي البردين والفرس الورد
فيتضاحك بالشعر ويستهزئ بالبردين والفرس الورد ويعارض ذلك بملوك فارس وأسرتها وتيجانها وبأن أبرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلا على مرابطه وبلغت مخدته التي كان يشرف بها على الداخل عليه ألف إناء من الذهب وخدمته ألف جارية وقد جهل هذا معنى الشعر وأخطأ في المعارضة وفخر بما ليس له فيه حظ ولا نصيب.
[1.5.7]
أما معنى الشعر فإن أبا عبيدة ذكر أن وفود العرب اجتمعت عند النعمان بن المنذر فأخرج بردي محرق وهو عمرو بن هند وقال ليقم أعز العرب قبيلة فيأخذهما فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة فأخذهما فاتزر بواحد وارتدى بآخر فقال له بم أنت أعز العرب؟ فقال العز والعدد من العرب في معد ثم نزار ثم في مضر ثم في خندف ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني فسكت الناس فقال النعمان هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي بدنك؟ فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة يغنيني الأكابر عن الأصاغر والأصاغر عن الأكابر فأما أنا في بدني فهذا شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض وقال من أزالها من مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين فسمي ذا البردين. قال الفرزدق [طويل]
فما تم في سعد ولا آل مالك غلام إذا ما قيل لم يتبهدل
لهم وهب النعمان ثوبي محرق بمجد معد والعديد المحصل
[1.5.8]
وأما الفرس الورد فإن الخيل حصون العرب ومنبت العز وسلم المجد وثمال العيال وبها تدرك الثأر وعليها تصيد الوحش وكانوا يؤثرونها على الأولاد باللبن ويشدونها بالأفنية للطلب والهرب وقد كنى الله عنها في كتابه بالخير لما فيها من الخير فقال حكاية عن نبيه سليمان صلى الله عليه وسلم 010 ﴿إني أحببت حب الخر عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب﴾ يعني الخيل وبها كان شغل سليمان عن الصلاة حتى غربت الشمس.
[1.5.9]
وقال طفيل [طويل]
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير يعقب
وقال آخر [كامل]
ولقد علمت على توقي الردى أن الحصون الخيل لا مدر القرى
إني وجدت الخيل عزا ظاهرا تنجي من الغمى ويكشفن الدجى
ويبتن بالثغر المخوف طلائعا وتبين للصعلوك جمة ذي الغنى
باتوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتد وأى
والبصيرة الدم يريد أنهم لم يدركوا الثأر فثقل الدماء على أكتافهم وأنه قد أدرك ثأره على فرسه.
[1.5.10]
وحدثني محمد بن عبيد قال حدثني سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.
[1.5.11]
قال أبو محمد وليس لأحد مثل عتاق العرب ولا عند أحد من الناس من العلم بها ما عندهم وسأذكر من ذلك شيئا فيما بعد إن شاء الله وإذا كان للرجل منها جواد مبر كريم شهر به وعرف فقيل العسجدي ولاحق وداحس والورد. وليس أعجب من سرير كسرى وفخر العجم به وتصويرهم إياه في الصخور الصم وفي رعان الجبال.
[1.5.12]
وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذلك إلا لمعنى شريف فيه كقولهم لهنيدة بنت صعصعة عمة الفرزدق ذات الخمار. فمن لم يعرف سبب الخمار هاهنا يظن أنها كانت تختمر دون نساء قومها فنسبت إلى الخمار لذلك. قال أبو عبيدة كانت هنيدة بنت صعصعة تقول من جاءت من نساء العرب بأربعة مثل أربعتي يحل لها أن تضع عندهم خمارها فصرمتي لها. أبي صعصعة وأخي غالب وخالي الأقرع بن حابس وزوجي الزبرقان بن بدر فسميت ذات الخمار لذلك وقال كان هند بن أبي هالة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم يقول أنا أكرم الناس أربعة أبي رسول الله وأمي خديجة وأختي فاطمة وأخي القاسم فهؤلاء الأربعة لا أربعتها. وأما خطؤه في المعارضة فإن صاحب البردين لم يكن ملك العرب فيعارضنا عنه بملك العجم ولم يدع أحد أنه كان للعرب في دولة العجم مثل ملكها وأموالها وعددها وسلاحها وحريرها وديباجها فيحتاج أن يذكر فيلة أبرويز وجواريه وفرشه وقد كان هذا لأولئك كما ذكر ثم جعله الله لهؤلاء فابتزوه واستلبوه والتحوهم كما يلتحى القضيب والناسخ أفضل من المنسوخ.