تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1.1.4

[1.4.1]

ومن ذا رحمك الله صفا فلم يكن له عيب وخلص فلم يكن فيه شوب؟ وقيل لبعض الحكماء هل من أحد ليس فيه عيب؟ فقال لا لأن الذي ليس فيه عيب هو الذي لا يموت. وعائب الناس يعيبهم بفضل عيبه وينتقصهم بحسب نقصه ويذيع عوراتهم ليكونوا شركاءه في عورته ولا شيء أحب للفاسق من زلة العالم ولا إلى الخامل من عثرة الشريف قال الشاعر [كامل]

ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه    مراد لعمري إن أردت قريب

وقال آخر [وافر]

وأجرأ من رأيت بظهر غيب    على عيب الرجال ذوو العيوب

[1.4.2]

وقد كان زياد بن أبي سفيان حين كثر طعن الناس عليه وعلى معاوية في استلحاقه عمل كتابا في المثالب لولده وقال من عيركم فقرعوه بمنقصته ومن ندد عليكم فابدهوه بمثلبته فإن الشر بالشر يتقى والحديد بالحديد يفلح.

1.1.5

[1.5.1]

وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى أغرى الناس بمشاتم الناس وألهجهم بمثالب العرب وحاله في نسبه وأبيه الأقرب إليه حال نكره أن نذكرها فنكون كمن أمر ولم يأتمر وزجر عن القبيح ولم يزدجر وهي مشهورة ولكن كرهنا أن تدون في الكتب وتخلد على الدهر ولا سيما وهو رجل يحمل عنه العلم ويحتج بقوله في القرآن.

[1.5.2]

ومن أتعب قلبا وأنصب فكرا ممن أراد أن يجعل الحسنة سيئة والمنقبة مثلبة ويحتاج لإخراج الباطل في صورة الحق فيقصد من المناقب لمثل قوس حاجب يضحك منها ويزري بها ويذهب في ذلك إلى خساسة العود وقلة ثمنه؟ وهذا لو كان على مذاهب التجار والسوق في الرهون والمعاملات لرجع بالعيب على الآخذ لا على الدافع لأن الدافع لا يألو أن يدفع أحقر ما يجد في أكثر ما يأخذ والمغبون من غر بالصغير عن الكبير. وإنما رهن عن العرب بما ضمنه عنها من كف الأذى عن مملكته حتى يحيوا وتنكشف عنهم السنة ولو كان مكان القوس مائة ألف رأس من الغنم عن هذا السبب ما كان القوس إلا أحسن بالدافع والقابل لأن سلاح الرجل هي عزه وشرفه وإسلام المال أحسن من إسلام العز والشرف وقد يدفع الرجل خاتمه وبرده أو رداءه عن الأمر العظيم فلا يسلمه خوفا من السبة وأنفة من العار.

[1.5.3]

قال أبو عبيدة لما قتل وكيع بن أبي سود التميمي قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان وبلغ ذلك سليمان وهو بمكة وهو حاج خطب الناس بمسجد عرفات وذكر غدر بني تميم وإسراعهم في الفتن وتوثبهم على السلطان وخلافهم له فقام الفرزدق ففتح رداءه وقال يا أمير المؤمنين هذا ردائي رهنا بوفاء تميم ومقامها على طاعتك. فلما جاءت بيعة وكيع قال الفرزدق [طويل]

فدى لسيوف من تميم وفى بها    ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم

يريد الأهتم بن سمي التميمي ورهطه.

[1.5.4]

وهذا سيار بن عمرو بن جابر الفزاري ضمن لبعض الملوك ألف بعير دية أبيه ورهنه قوسه فقبلها منه على ذلك وساقها إليه وفيه يقول القائل [طويل]

ونحن رهنا القوس ثم تخلصت    بألف على ظهر الفزاري أقرعا

وسيار هذا هو جد هرم الذي تنافر إليه عامر وعلقمة.

[1.5.5]

ومن هذا الباب قول جران وذكر اجتماعه مع نساء كان يألفهن [طويل]

ذهبن بمسواكي وقد قلت إنه    سيوجد هذا عندكن فيعرف

يظن من لا يعرف هذا الخبر أنهن سلبنه المسواك فاعتد عليهن وأخبرهن أنه سيوجد عندهن ويعرف لقدر المسواك عندهن وعنده ولأن الأعراب أنظر قوم في التافه الحقير الذي لا خطر له وكيف يظن به وبهن هذا وبلد نجد مستحلس بضروب من شجر المساويك لا تحصى فكيف يبخل على نساء يهواهن بعود وهو يصطلي به ويختبز ويطبخ بشجره ومتى احتاج إلى مسواك منه لم يتكلفه بثمن ولم يبعد في طلبه؟ والمعنى أن نجدا تختلف منابته فمنه ما ينبت الإسحل ومنه ما ينبت الأراك ومنه ما ينبت البشام فأهل كل ناحية منهم يستاكون بشجر بلدهم وكان جران العود معروفا بهؤلاء النساء يزورهن على حذر من مزار بعيد وهو يستن من الشجر ما ينبت في بلده ولا ينبت في بلدهن فلما أخذن سواكه ليتذكرنه ويسترحن إليه كما يفعل المتحابون قال إن هذا سيوجد عندكن وإذا وجد علم أنه مما ينبته البلد الذي أسكنه فاستدل به على زيارتي إياكن.

فضل العرب والتنبيه على علومها · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فضل العرب والتنبيه على علومهاالمقدمة