============================================================ المرصد الرابع - المقصد الثالث : في علمه تعالى منتفع سواء كان مؤثرا عالما أولا كإحراق النار وتبريد الماء (أو أمرا ثالثا فبينه لنا) ما هو (وكيف) يدل على علم الفاعل؟ (و) نقول أيضا: (إنه) أي دليلك على إثبات علمه (منقوض بفعل النحل لتلك البيوت المدسة) المتساوية (بلا فرجار ومسطر، واختيارها للمسدس لأنه أوسع من) المثلث و(المربع) والمخمس (ولا يقع بينها) أي بين المسدسات (فرج كما) يقع (بين المدورات وما سواها) من المضلعات (وهذا) الذي ذكرناه (لا يعرفه إلا الحذاق من أهل الهندسة، وكذلك العنكبوت تنسج تلك البيوت) وتجعل لها سدى ولحمة على تناسب هندسي (بلا آلة مع أنه لا علم لهما) بما يصدر عنهما وما يتضمنه من الحكم. (والجواب عن الأول: أن المراد) بالمتقن (ما تشاهده من الصنيع الغريب والترتيب العجيب) الذي تتحير فيه العقول ولا تهتدي إلى كمال ما فيه من المصالح والمنافع ولا شك في دلالته على علم الصانع (وتوضيحه ما ذكرنا في مثال الكتابة والخطاب إذ لا يشترط في الدلالة على العلم خلوه عن كل خلل) واشتماله على كل كمال (حتى لو أمكن أن يكتب أحسن منه أو يتكلم بأفصح منه لم يدل على علم. و) الجواب (عن الثاني: أنا لا نسلم عدم علم النحل والعنكبوت بما يفعله لجواز أن يخلق الله تعالى فيهما علما بذلك الفعل قوله: (لأنه أوسع من المثلت) أي إذا كان مجموع خطوط المسدس مساويا نمجموخ خطوط المثلت وأخويه مثلا كان المسدس أوسع منه.
قوله: (ولايقع بينهما فرج كما بين المدورات وما سواها) فإن قلت : هذا الكلام يدل على عدم وقوع الفرج بين المسدسات ووقوعها بين المربعات. وما أشار إليه في أول موقف الجوهر من أن الجسم يتركب من المربع بلا خلو الفرج بخلاف سائر المضلعات يدل على عكس ذلك فبينهما تدافع. قلت: قد ذكرت هناك أن مراده أن المسدسات إذا كانت متفاوتة في المقدار يلزم خلو الفرج وإن لم يلزم إذا كانت متساوية فيه. وأما المربعات فلا يلزم فيها ذلك أصلا وبهذا يتأتى التلفيق بين ادعاء لزوم الفرج في المسدسات هناك. ونفيه هاهنا. وأما التدافع بين كلاميه بالنسبة إلى المربع فدفعه أن يستثنى المربع هاهنا بقرينة ما ذكرناه هناك. بقي الكلام في أن المثلث يدخل قي عموم ما سواها مع أنه مثل المسدس كما بينا هناك ولا قرينة لاستثنائه.
قوله: (والجواب عن الثاني إلخ) وفي أبكار الأفكار أن هذا الجواب عند من يعترف يكون الحيوانات هي الفاعلة لأفعالها الاختيارية، ومن قال: إنها مخلوقة لله تعالى فالجواب عنده أن الإحكام والإتقان ليس مستندا إلى تلك الحيوانات بل إلى الله سبحانه فيجب أن تكون معلومة لله تعالى لا لها. ولعل المصنف إنما لم يتعرض له لأن الكسب أيضا يقتضي العلم بالمكسوب القصدي كما دل عليه مثال الكتاب والخطاب أيضا.
قوله: (لجواز أن يخلق الله تعالى) إنما ذكر في التعليل الجواز مع أن ظاهره يدل على أن الإتقان يفيد جواز علم المتقن لا القطع به كما هو المدعى لأن مبنى النقض توهم استحالة