============================================================ المرصد الثاني- المقصد الخامس: النظر في الثواب والعقاب فيستحيل صدوره عنه تعالى (وإما لغرض عائد إلى الله تعالى وهو منزه) عن ذلك لتعاليه عن الانتفاع والتضرر، (أو إلى العبد إما في الدنيا وإنه) أي الإتيان بها (مشقة بلا حظ) دنيوي فإن العبادة عناء وتعب وقطع للنفس عن شهواتها، (وإما في الآخرة وذلك إما تعذيبه) عليها (وهو قبيح) جدا (أو نفعه وهو المطلوب. الجواب: منع وجوب الغرض، وقد مر مرارا) كثيرة، (وأما العقاب ففيه بحثان. الأول: أوجب جميع المعتزلة والخوارج عقاب صاحب الكبيرة) إذا مات بلا توبة ولم يجوزوا أن يعفو الله عنه (لوجهين. الأول: أنه) تعالى (أوعد بالعقاب) على الكبائر (وأخبر به) أي بالعقاب عليها (فلو لم يعاقب) على الكبيرة وعفا (لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره وإنه محال. الجواب: غايته وقوع العقاب فأين وجوبه) الذي كلامنا فيه إذ لا شبهه في أن عدم الوجوب مع الوقوع لا يستلزم خلفا ولا كذبا، لا يقال: إنه يستلزم جوازهما وهو أيضا محال لأنا نقول: استحالته ممنوعة كيف وهما من الممكنات التي تشملها قدرته تعالى. (الثاني: أنه إذا علم المذنب) أي المرتكب للكبيرة (أنه لايعاقب على ذنبه) بل يعفى عنه لم ينزجر عن الذنب بل (كان ذلك تقريرا له على ذنبه) وعدم التوبة عنه (و) كان (إغراء للغير عليه وإنه قبيح مناف لمقصود الدعوة) إلى الطاعات وترك المنهيات (الجواب: منع تضمنه) أى تضمن عدم وجود العقاب للتقرير والإغراء إذ شمول الوعيد وتعريض الكل العقاب وظن الوفاء بالوعيد فيه من الزجر والردع ما لا يخفى، واحتمال العفو عن البعض احتمالا مرجوا لا ينافي ذلك)، يعني أن الوعيد عام يتناول كل واحد من المذنبين بظاهره الذي يقتضي ظن الوفاء به في حقه فيحصل لكل منهم الظمن بكونه معاقبا بذنبه، وذلك كاف في زجر العاقل عن استقراره على ذتبه بعدم التوبة عنه وفي ردع غيره عن اقترافه، وأما توهم العفو الناشئ قوله: (والجواب منه وجوب الغرض) ولو سلم فالغرض التفضل بالنفع فأين الوجوب.
قوله: (لأنا نقول : استحالته ممنوعة) فإن قلت : الكذب نقص يستحيل عليه تعالى إجماعا، ولا شك أن جواز المحال محال. قلت: الظاهر أن هذا الكلام بالنسبة إلى المعتزلة وهم لايقولون إلا بالكلام اللفظي، وقد سبق أن النقص في الكلام اللفظي من قبيل القبح العقلي الذي نحن لانقول به، نعم ثبت بخبر التبي عليه السلام انتفاء الكذب في كلامه مطلقا، واما أنه آمر محال في نفسه بناء على آنه نقص فممتوع، بقي هاهنا بحث وهو ان مراد المعتزلة يكون الشيء واجيا عليه تعالى أن الحالة اللائقة والحكمة المتاسبة لمثل ذلك الحكيم أن يأتي به لا أنه ممتنع عقلا بحيث لا يكون مقدورا له وإلا يكون البارى تعالى موجبا بالنسبة إليه وهم مع إيجابهم عليه تعالى ما أوجبوه قائلون بكون الله تعالى مختارا بلا خلاف منهم فعلى هذا اندفاع اصل استد لالهم بما ذكروه في حيز الجواب محل كلام، فليتامل.