============================================================ المرصد الأول - المقصد الثاني: في حقيقة المعجزة سياتي وذلك (لان التصديق قبل الدعوى لا يعقل فلو قال: معجزتي ما قد ظهر على يدي، قيل: لم يدل على صدقه ويطالب به) أي بالإتيان بذلك الخارق أو بغيره (بعد) اي بعد الدعوى (فلو عجز كان كاذبا قطعا فإن قال:) في إظهار المعجزة (هذا الصندوق فيه كذا وكذا وقد علمنا خلوه واستمر بين أيدينا من غلقه إلى فتحه فإن ظهر كما قال: كان معجزا وإن جاز خلقه فيه قبل التحدي لأن المعجز إخباره عن الغيب) وهر واقع مع التحدى موافق للدعوى لا خلق ذلك الشيء في الصندوق (و) أما (احتمال أن العلم بالغيب خلق فيه قبل التحدي) فيكون متقدما على الدعوى مع كونه معجزا فإنه (بناء) أى مبني (على جواز إظهار المعجز على يد الكاذب وسنبطله) وإنما كان مبينا على ذلك لأن العلم بالغيب لو كان مخلوقا قبل التحدي لم يكن إخباره به منزلا منزلة التصديق له فيكون هو كاذبا في دعواه أنه آية صدقه ودليل عليه، وسيأتيك أنه لا يتصور عندنا ظهور الخارق على يد الكاذب (فإن قيل:) ما ذكرتموه من امتناع تقدم المعجز على الدعوى يفضي إلى إبطال كثير من المعجزات المنقولة عن الأنبياء وإليه الإشارة بقوله: (فما تقولون في كلام عيسى في المهد، وتساقط الرطب الجني عليه من النخلة اليابسة) فإنهما معجزتان له مع تقدمهما على الدعوى؟ (و) ما تقولون أيضا (في معجزات رسولكم من شق بطنه وغسل قلبه وإظلال الغمامة وتسليم الحجر والمدر عليه) فإنها كلها متقدمة على دعوى الرسالة؟
(قلنا:) تلك الخوارق المتقدمة على الدعوى ليست معجزات (إنما هي كرامات وظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لايقصرون عن درجة الأولياء) فيجوز ظهورها عليهم أيضا وحينيذ تسمى إرهاصا أي تأسيسا للنبوة من أرهصت للحائط أسسته، والمنكرون للكرامات جعلوها معجزات لنبي آخر في ذلك العصر وهو مردود لوجودها في عصر لا نبي فيه. هذا (وقد قال القاضي: إن عيسى كان نبيا في صباه. لقوله: وجعلني نبيا [مريم: 30]، ولا يمتنع من القادر المختار أن يخلق قوله: (لأن المعجزة إخباره عن المفيب) لايخفى أن قوله: وقد علمنا خلوه يكون قيدا زائدا على هذا التقدين قوله: (فيكون هو كاذبا في دعواه) فيه بحث وهو آنه لم يكن كاذبا عندما ظهر فيه العلم بالغيب لتاخر دعواه عن ذلك فرضا، فماذكره إنما يتم لو أثبت انه لا بتصور ظهور الخارق على يد من يكذب في وقت ما ولو في المستقبل بالنسبة إلى زمان ظهوره.
قوله: (ومماتيك أنه لا يتصور إلخ) قد يناقش فيه بانه فرق بين الكذب في دعوى أنه آية صدقه والكذب في دعوى النبوة، وما سيأتي هو الثاني واللازم هاهنا هو الأول.