============================================================ المرصد السادس - المقصد الرابع: أنه تعالى مريد لجميع الكائنات كامنة والأمر ظاهر، ولهذا يقال في العرف: فلان مطاع الأمر ولا يقال: مطاع الإرادة (وقد ضايق بعض أصحابنا في العبارة فقال: الكفر مراد بالكافر غير مراد من الكافر)، لأن القول الثاني ينبئ عن الرضاء بالكفر دون الأول (وهو لفظي) لا طائل تحته.
(الثالث: لو كان الكفر مراد الله تعالى لكان واقعا بقضائه والرضاء بالقضاء واجب) إجماعا، (فكان الرضاء بالكفر واجبا واللازم باطل لأن الرضاء بالكفر كفر) اتفاقا، (قلنا: الواجب هو الرضاء بالقضاء لا بالمقضي، والكفر مقضي لاقضاء والحاصل أن الإنكار) المتوجه نحو الكفر إنما هو (بالنظر إلى المحلية لا إلى الفاعلية) يعني أن للكفر نسبة إلى الله سبحانه باعتبار قاعليته له وإيجاده إياه ونسبة أخرى إلى العبد باعتبار محليته له واتصافه به وإنكاره باعتبار النسبة الثانية دون الأولى. (والرضاء بالعكس) أي الرضاء به إنما هو باعتبار النسبة الأولى دون الثانية، (والفرق بينهما ظاهر) وذلك لأنه ليس يلزم من وجوب الرضاء بشيء باعتبار صدوره عن فاعله وجوب الرضاء به باعتبار وقوعه صفة لشيء آخر، (إذ لو صح ذلك لوجب الرضاء بموت الأنبياء) وهو باطل إجماعا- (الرابع: لو أراد الله الكفر وخلاف مراد الله ممتنع) عندكم (كان الأمر بالإيمان تكليفا بما لا يطاق) لأن الإيمان ممتنع الصدور عنه حينيذ، (قلنا: الذي يمتنع التكليف به) عندنا (ما لا يكون متعلقا للقدرة) الكاسبة (عادة) إما لاستحالته في نفسه كالجمع بين النقيضين، وإما لاستحالة صدوره عن الإنسان في مجاري العبادة كالطيران في الجو (لا ما يكون مقدورا) قوله: (ولا يقال: مطاع الإرادة إلخ) ففيه أن هذا أمر لفظي، ولهذا لا يقال: مطاع النهي ومطاع الطلب.
قول: (قلنا: الواجب هو الرضاء بالقضاء لا بالمقضى) اعترض عليه بأنه لا معنى للرضاء بصفة من صفات الله تعالى، بل المراد هو الرضاء بمقتضى تلك الصفة وهو المقتضى، فالصواب أن يجاب بأن الرضاء بالكفر لا من حيث ذاته بل من حيث هو مقضى ليس بكفر، أو بما في شرح الكشاف من ان الرضاء بالكفر إنما يكون كفرا إذا كان مع الاستحسان له وعدم الاستقباح بخلاف الرضاء بكفر الكافر مع استقباحه قصدا إلى زيادة عذابه، كما قال الله تعالى حكاية: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم [يونس:88]، وأجيب: بأن رضى القلب بفعل الله تعالى بل بصفته أيضا مما لا شك في صحته ثم إن الرضاء بهما يستلزم الرضاء بالمتعلق من حيث هو متعلق مقضي لا من حيث ذاته ولا من سائر الحيثيات، ولما كان الرضاء الأول هو الأصل والمنشأ للثاني اختار هذا الطريق فإن قلت : لا فرق بين هذه الصفة ويين سائرها في وجوب الرضاء فالتخصيص تحكم قلت : هذه الصفة تقتضي الخلق والشرور والآلام من آثارها فهي مظنة أن يعترض فيها العباد ويشمثزوا عنها فلدفع هذا الوهم قالوا: يجب الرضاء بالقضاء: