============================================================ المرصد السادس المقصد الثاني: في التوليد وفروعه فقط (وهو تحكم محض معلوم بطلانه، وهذا) الاحتجاج الدال على لزوم المحال للتوليد في المثال المذ كور (لا يلزم ضرارا وحفصا القائلين بعدم التوليد فيما قام بغير محل القدرة)، وبيانه على ما في الأبكار أن المتولدات منها ما هي قائمة بمحل القدرة كالعلم النظري المتولد من النظر ومنها ما هي قائمة بغير محل القدرة، فاختلفت المعتزلة، فذهب بعضهم إلى أنها بأسرها فعل الفاعل السبب وإن كان معدوما حال وجود المتولد كمن رمى سهما ومات قبل بلوغ السهم الرمية فإن الإصابة والآلام الحادثة منها من فعل الميت، وذهب ثمامة بن أسرش إلى أنها كلها حوادث لا محدث لها، والنظام إلى أن المتولدات برمتها من فعل الله تعالى لا من فعل العبد الفاعل للسبب، وذهب ضرار بن عمرو وحفص الفرد إلى أن ما كان منها في محل قدرة الفاعل فهو من فعله وما كان في محل مباين لمحلها فما وقع منه على وفق اختياره فهو أيضا من فعله كالقطع والذبح وما لا يقع على وفقه فليس من فعله كالآلام في المضروب والاندفاع والثقيل المدفوع وحركة الجسم المفروض من القسم الأخير الأمر أنه مستقل بإحداث حركة ذلك الجسم في الجملة فحينثذ لا توارد ولا تحكم.
قوله: (وبيانه على ما في الابكار إلخ) إنما قال على ما في الأبكار لما في تقرير مذهب ضرار وحفض من الاختلافات فإن ما نسب إليهما هاهنا من القول بعدم التوليد فيما قام بفير محل القدرة نسبه الشهرستاني في كتاب الملل والنحل إلى النظام بحكاية الكمبي عنه، ونسب إلى ضرار وحفص القول بكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى مكتسية للعيد.
قوله: (وإن كان معدوما حال وجود المتولد) فلم يشترطوا بقاء الفاعل عند وجود الفعل بل اكتفوا في تحقق تمام العلة بوجود الفاعل في الجملة مقدما أو مقارنا، فمعنى كون المتولد فعلا للمعدوم مقدورا له تأثيره باختياره في السبب الموجب له فلا يرد أن المتولد ولو كان مقدورا لعبد نما وجد بعد فتائه قوله: (حوادت لا محدث لها) أورد عليه أنه يستلزم استغناء العالم عن الصانع، وأجيب بأنهم إنما جوزوا ذلك في المتولدات لثبوت ما يفضي إلى حدوثها، ولا يجوزونه في غيرها فلا يلزم ذلك: قوله: (كالقطع والذبح) أراد بهما المقطوعية والمذبرحية لا القاطعية والدابحية فانهما قائمان بمحل القدرة، ثم الفرق بينهما وبين الألم في المضروب والاندفاع في الثقيل حيث حكم بان الأولين واقعان على وفق الاختيار دون الآخرين ما سيجيء من أن الآخرين قد يقعان بعد عجز فاعل السبب وموته فلا يكونان حينيذ على حسب القصد والداعية بخلاف الأولين، فإن قلت: قد يقع الأولان أيضا بعد ذلك كما إذا رمى بسكين فاتفق بعد موت الرامي أن أصاب المذبح أو عضوا فحصل الذبح أو القطع، قلت: هذا ليس بذبح وقعلع في العرف ولو سلم فالمعدود مما وقع على وفق الاختيار ليس القطع والذبح في مثل هذه الصورة ولا مطلقهما.