============================================================ المرصد الأول - الفصل الثالث: القسم الثاني : النفس الحيوانية فإنها مع كثرتها ليس بينها إلا نواع واحد من التضاد فيكفيها قوة واحدة. ولم يلتفت إليه المصنف لظهور ضعفه. (الثاني) من التنبيهين: (قوة الذوق) في إدراكها (مشروطة باللمس) إذ لا يتصور إدراك ذوقي بلا ملامسة بين اللسان والمذوق فربما يتوهم من ذلك اتحاد الذائقة باللامسة، فدفعه بقوله: (ولا شك أنها غيرها إذ لا يكفي فيها) اي في إدراك الذائقة (اللمس) وحده (بل يحتاج) معه إلى توسط الرطوبة اللعابية واختلاطها على ما مر فلا بد من التغاير. وكيف لا؟ والذوق (يضاده) اي اللمس باعتبار الغاية (لأن الذوق) إنما (خلق للشعورد بما يلائم) من المطعومات التي تستبقى بها الحياة (ليجتلب، واللمس خلق للشعور بما لا يلائم ليجتنب). وتلخيصه أن الحيوان مركب من العناصر الأربعة فصلاحه باعتدالها وفساده بغلبة بعضها على بعض فلا بد له من قوة يدرك بها ما ينافي مزاجه ويخرجه عن اعتداله، وهي اللامسة الدافعة للمضرة كما لا بد له من قوة جاذبة للمنفعة. فبهذا الاعتبار كان بينهما تضاد وتخالف، ولما كان الاجتناب عن جميع المنافيات واجبا دون اجتلاب جميع الملاثمات عمت اللامسة البدن. قال الحكماء: لا يمكن وجود حاسة سادسة لأن الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا وقد استكملت ما في الدرجة الأولى فلو كان في الإمكان حس آخر لكان حاصلا للإنسان .
(وهاهنا أبحاث) أي بحثان (نختم بها هذا النوع) أى الأول من الأنواع الثلاثة.
(أحدها أن الحواس الظاهرة مختلفة بالقوة والضعف) في إدراكاتها، (وتفاوتها) في ذلك إنما هو (بحسب القوة الممانعة وضعفها) فكل ما كان أقوى ممانعة لمدركه كان اقوى إحساسا به، (وذلك) أي التفاوت في الممانعة قوة وضعفا إنما هو (لغلظ الآلة ورقتها) فما هو أغلظ آلة كان أشد ممانعة (و) على هذا (أضعفها) في الإحساس (البصر إذ آكتها النور وهو الطف) من آلات سائر الحواس، (ثم السمع وآلتها الهراء ثم النوعية . وقوله: وكذا الحال في البواقي إلخ، هناك ايضا ممنوع، وكذا قوله: ليس بينهما إلا نوع واحد من التضاد بين الحلاوة والسرارة مثلا يناير بالنوع التضاد بين الحموضة والقبض، ولو سلم ذلك ولا نسلم أنه يكفي في إدراك المضادين قوة واحدة حتى يكفي في إدراك التضاد بيتهما قوة واحدة وقد اشار إلى هذا المنرع بقوله : لظهور ضعف.
قوله: (وكل ما كان أقوى ممانعة لمدركه كان أقرى إحساسا به) ويعلم هذا باعتبار زيادة اللذة والآلم أو نقصانهما بسبب تعلق تلك الحواس بمتعلقاتها كما أشار إليه الشارح بقوله: فلذا كانت ملائماته الذ ومنافراته أشد إيلاما . وقوله: فلو وجب إلخ إشارة إلى المعارضة وقوله: وقد يجاب إلخ إشارة إلى منع الملازمة المذكورة . وقوله: ولذلك اي ولأجل كونها محسوسة بالعرض أو وللاستعانة المذكورة.