تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأنه مفطر وإن لم يتعاط مفطرا ؛ لأن الليل ليس محلا للصوم فيصدق على الشخص فيه أنه مفطر وإن لم يتناول شيئا من المفطرات حقيقة . وشمل تعاطي المفطر ما كان على جهل أو نسيان ، أي إذا تعاطى مفطرا ناسيا أو جاهلا كفي فيخرج من الحرمة . قال في الخصائص : واختص بجواز الوصال له في الصوم لخبر الشيخين عن أبي هريرة مرفوعا : ( إياكم والوصال ) قيل : فإنك تواصل . قال : ( فإنكم لستم في ذلك مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فاكلفوا ) بضم فسكون أي الزموا ( من العمل ما تطيقون ) . وأن يجتنبوا تتابع الصوم بغير فطر ليلا ، فإنه حرام يوجب الفسق والملل والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف العبادات والقيام بحقها ، فإنكم لستم في ذلك مثلي أي على صفتي ومنزلتي من ربي ، فإني أبيت أي أنا عند ربي دائما أبدا ؛ فهي عندية تشريف ، يطعمني ربي ويسقيني حقيقة بأن يطعم من طعام الجنة وهو لا يفطر ، أو مجازا عما يغذيه الله به من المعارف ويفيضه على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه . وغذاء القلوب ونعيم الأرواح أعظم أثرا من غذاء الأجسام والأشباح ؛ فللأنبياء جهة تجرد وجهة تعلق ، فبالنظر للأول الذي يفاض عليه به من المبدإ الأول مصونون عما يلحق غيرهم من البشر من ضعف وعطش وجوع وفتور وبالنظر للثاني به يفيضون ويلحقهم ذلك ظاهرا لموافقة الجنس لتؤخذ عنهم آداب الشريعة ولولا ذلك لم يمكنهم الأخذ عنهم ، فظواهرهم بشرية تلحقهم الآفات وبواطنهم ربانية تتلذذ بلذة المناجاة ، فلا منافاة بين ما ذكر هنا وبين ربطه الحجر على بطنه من شدة الجوع لما تقرر أن أحوالهم الظاهرة يساوون فيها الجنس وأحوالهم الباطنة يفارقونهم فيها ، فظواهرهم للخلق كمرآة يبصرون فيها ما يجب عليهم وبواطنهم في حجب الغيب عند ربهم لا يعتريها عجز البشرية من جوع ولا غيره . فهاك هذا الجمع عفوا صفحا فقلما تراه مجموعا في كتاب وقل من تعرض له من الأنجاب . | وقوله : ( فاكلفوا ) بين به حكمة النهي ، وهو خوف الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من القوة في أمر الله والخضوع في فرائضه والإتيان بحقوقها الظاهرة والباطنة ، وشدة الجوع تنافيه وتحول بين المكلف وبينه ثم الجمهور ؛ على أن الوصال للمصطفى مباح ، وقال الإمام : قربة وخصوصية به على كل أمته لا على كل فرد فرد ، فقد اشتهر عن كثير من الأكابر الوصال ، قال في المطامح : أخبرني بعض الصوفية أنه واصل ستين يوما متوالية . قال في المطلب : فإن قلت إن كثيرا ممن اشتهر صلاحهم ممن لا يحصى نقل عنهم الوصال وذلك مع القول ثم ينافي حالهم السني وقدرهم العلي ؟ قلت : المنهي عنه من ذلك وغيره ما يدخل تحت القدرة ، ولعل وصال هؤلاء جاء من غير قصد إليه بل اتفق ترك تناول المفطر لغفلة عنه إما بغير سبب أو بسبب وهو تعلقه واشتغاله بالمعارف الربانية والاستغراق فيها والالتذاذ بها بحيث ألهته عن كل شيء ، فهي في حقه قائمة مقام الطعام

تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) · الجزء ٣ · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب)ج ٣ · ص ١٢٦