تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ش : هذا جواب عما يقال السكر والإغماء لا يزول بهما العقل ، وإنما ينغمر لأن العقل هو القوة الغريزية وإنما يزيلها الجنون . ويمكن أن يجاب أيضا بأن المراد بالعقل التمييز اه بحروفه وهو وجيه ، فقد ذكروا أن العقل يطلق على التمييز وهو المراد هنا ، ويعرف بأنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح وهذا يزيله الإغماء ، ويطلق على الغريزي ويعرف بأنه صفة غريزية يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات أي الحواس الخمس ، وهذا لا يزيله إلا الجنون وهو مطلقا زوال الشعور من القلب ، ثم إن كان مع قوة حركة الأعضاء بلا طرب فهو الجنون أو مع طرب فهو السكر أو مع فتور الأعضاء فهو الإغماء أو مع استرخاء المفاصل فهو النوم ويعرف النوم بأنه ريح لطيفة تأتي من الدماغ إلى القلب فتغطي العين ، فإن لم تصل إلى القلب فهو النعاس ولا نقض به . | قوله : ( الغريزي ) ومحله القلب على الراجح وأول وجوده عند نفخ الروح ، فيأخذ في الزيادة لبلوغ والأربعين عليه مدار التكليف ، وقيل هو نور في القلب يدرك به العلوم وإطلاقه عليها مجاز لكونها ثمرته ، والشيء قد يعرف بثمرته . قال ابن حجر في شرح المنهاج : وهو يعني العقل الغريزي أفضل من العلم لأنه منبعه وأسه ، ولأن العلم يجري منه مجرى النور من الشمس والرؤية من العين ، ومن عكس أراد من حيث استلزامه له ، وأنه تعالى يوصف به لا بالعقل ويزيد وينقص وهو في الإنسان والجن والملك ، لكنه في النوع الإنساني أكمل وما أحسن قول بعضهم : | علم العليم وعقل العاقل اختلفا | من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا | فالعلم قال أنا قد حزت غايته | والعقل قال أنا الرحم صلى الله عليه وسلم

1648 ; ن بي عرفا | فأفصح العلم إفصاحا وقال له | بأينا الله في تنزيله اتصفا | فأيقن العقل أن العلم سيده | وقبل العقل رأس العلم وانصرفا | وكان الشيخ محيي الدين الكافيجي يقول : العلم أفضل باعتبار كونه أقرب إلى الإفضاء إلى معرفة الله وصفاته ، والعقل أفضل باعتبار كونه منبعا للعلم وأصلا له . وحاصله أن فضيلة العلم بالذات وفضيلة العقل بالوسيلة إلى العلم وروى ابن عبد البر : ( أن الله تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض أتاه جبريل فقال : إن الله تعالى . أحضر لك ثلاث خصال لتختار واحدة منهن وتتخلى عن اثنتين . فقال : وما هن ؟ فقال : الحياء والدين والعقل ، فقال : اخترت العقل . فقال جبريل للحياء والدين : ارتفعا فقد اختار غيركما . فقالا : لا نرتفع . قال : أعصيتما ؟ قالا : لا ، ولكن أمرنا أن لا نفارق العقل ) . قال الشوبري : وهل العقل من قبيل الأعراض أو من قبيل الجواهر أو لا ؟ والجواب : هو عند علماء السنة عرض قائم بالقلب متصل بالدماغ ويزيد وينقص ، وعند الحكماء جوهر مجرد عن المادة مقارن لها في الفعل اه .

تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) · الجزء ١ · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب)ج ١ · ص ٣٠٩