قوله تعالى : ^ ﴿ مخلصين له الدين ﴾ ^ ( الأعراف : 29 ويوسف : 22 وغيرهما ) مع أنها تدل على وجوب النية ، والحديث إنما يدل عليه بالتقدير كما علمت فهي حينئذ أحرى معنى فتأمل ولعله ترك الاستدلال بها لكونها ليست نصا في وجوب النية ، وخروج بعض الأعمال عن اعتبار النية فيه إما بدليل آخر كالعتق والوقف ، فهو من باب تخصيص العموم أو استحالة ونحوها وكمعرفة الله تعالى ، لأنها لو توقفت على النية مع أن النية قصد المنوي بالقلب ولا يقصد إلا ما يعرف ، فيلزم أن يكون الإنسان عارفا بالله تعالى قبل معرفته له فيكون عارفا به غير عارف به في حالة واحدة . وهذا يقتضي أن معرفة الله تعالى لا ثواب فيها لأن الثواب يتبع النية ، وقد صرح بذلك القرافي ، وإنما لم يشترط النية في إزالة الخبث لأنه من قبيل التروك كالزنا ، فتارك الزنا من حيث إسقاط العقاب لا يحتاجها ومن حيث تحصيل الثواب على الترك يحتاجها ، وكذا إزالة الخبث لا يحتاج فيه إليها من حيث التطهر ، ويحتاجها من حيث الثواب على امتثال أمر الشارع . وآثر ذكر الأعمال على ذكر الأفعال لأن لفظ العمل أخص من لفظ الفعل ، لأن الفعل ينسب للبهائم والجمادات كما ينسب إلى ذوي العقول ، بخلاف العمل لأنه يعتبر فيه القصد حتى قال بعض الأدباء : قلت لفظ العمل لفظ العلم تنبيها على أنه من مقتضاه ولم يستعمل العمل في الحيوان إلا في قولهم البقر والإبل العوامل . وأما الصنع فهو أخص من العمل لأنه لا يقال إلا لما كان من الإنسان بقصد واختيار بعد ذكر وتحر . قوله : ( بالنيات ) جمع نية بتشديد الياء من نوى بمعنى قصد ، والأصل نوية قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وتخفيفها لغة من ونى يني إذا أبطأ لأنه يحتاج في تصحيحها إلى نوع إبطاء ، وأل بدل عن الضمير أي بنيانها فيدل على اعتبار نية العمل من الصلاة وغيرها . | قوله : ( بفعله ) أي الشيء فإن تراخى أي الفعل عنه أي عن القصد كما قرره شيخنا والمراد بقوله مقترنا بفعله أي بأول فعله ، أو المراد بجميع أفعاله لكن اقترانها بالأول حقيقة وبما سواه حكما . وفي قوله بفعله إضافة الشيء لنفسه لأن الهاء عائدة للشيء وهو فعل أيضا . وأجيب : بأن الفعل المضاف بالمعنى المصدري والفعل المضاف إليه بالمعنى الحاصل بالمصدر واعتبار الاقتران في تعريف النية مشكل لتحققها بدونه في الصوم ، اللهم إلا أن يكون هذا رسما اعتبر فيه لازم غالبي ، وإن كان قوله حقيقتها لا يناسب ذلك ، أو يلتزم أن السابق في الصوم ليس بنية بل هو عزم اكتفى به للضرورة سم على البهجة ع ش على م ر مع زيادة . قوله : ( وحكمها الوجوب ) أي غالبا ، وإلا فقد تكون مندوبة كما في غسل الميت .
تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) · الجزء ١ · الصفحة ١٩١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب)ج ١ · ص ١٩١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي