( الخامس والأربعون الحزن في أمر الدنيا وهو التوجع والتأسف على ما فات من النعم الدنيوية ) التي غرت كثيرا من أهل الحماقة والجهل مع أنها سموم قاتلة وعورات بادية وفضائح مردية وقبائح مهلكة تعلمها العقلاء وتغفل عنها الجهلاء إذ هي حظوظ نفسانية وأعراض شهوانية حيث لم يتيسر له مراده من ذلك ( ويلزمه الفرح بإتيانها وإقبالها وكثرتها ومنشؤه ) أي الحزن المذكور ( حب الدنيا ) الذي هو رأس كل خطيئة ومعدن كل شر ومقر كل هوى وبضاعة كل فساد اعلم أن الدنيا ثلاثة الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك ثمرته بعد الموت كالعلم وهو لذة دنيوية عاجلة وكذا العبادات لمن يتلذذ بها والثاني ما فيه حظ عاجل لا ثمرة له في الآخرة كالتلذذ بالمعاصي والمباحات والثالث متوسط بينهما كالطعام واللباس إن جعل وسيلة إلى الأول فمن عمل الآخرة وإن إلى الثاني فمن الدنيا ولا يبقى مع العبد إلا صفاء القلوب وذلك بالكف عن الشهوات والأنس بالله بكثرة ذكره ومحبته الحاصلة من المعرفة وهي تتولد من الفكر فالمراد هنا الثاني مطلقا وبعض الثالث كما لا يخفى .
ثم اعلم أن الدنيا إما أعيان كالأراضي للبناء والزراعة وإما معادن كالرصاص والنحاس والدراهم والدنانير وإما نبات كالملبوس والدواء والغذاء وإما حيوان كالبهائم للأكل والركوب وإما إنسان للخدمة والاستمتاع والجاه ثم للعبد علاقتان الأولى بالقلب هو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه