رأيت يسيرا ما بقي من عمرك لزهدت في طول ما ترجو من أملك ولرغبت في الزيادة من عملك واقتصرت من حرصك وجدلك وإنما يلقاك غدا ندمك ، لو قد زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك وتبرأ منك القريب وانصرف عنك الحبيب وقال التيمي شيئان قطعا عني لذة النوم : ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة فيبكون كأن بين أيديهم جنازة .
وقال اللفاف من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاث : تعجيل التوبة وقناعة القلب ونشاط العبادة ، ومن نسيه عوقب بثلاث : تسويف التوبة وترك الرضا بالكفاف والتكاسل في العبادة ، فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته وصعوبة كأسه ومرارته فيا للموت من وعد ما أصدقه ومن حكم ما أعدله فكفى بالموت مفزعا للقلوب ومبكيا للعيون ومفرقا للجماعات وهاذما للذات وقاطعا للأمنيات ( فإنه ما ذكره ) أي الموت ( أحد في ضيق ) كفقر ومرض وحبس ومصائب الأنفس والأولاد والأموال والأقارب ( إلا وسعه ) صيره واسعا ، إما لأنه مذكر عدم كون النعم ملكا له بل فانية ليس لها دوام ، وإما للأجر فيما بعد الموت بالصبر ، وإما لأن عمري أنفاس معدودة زالت سرعة فلا تفاوت في سعته وضيقه ( ولا ذكره في سعة إلا ضيقها ) أي السعة ( عليه ) لعلمه بمفارقتها ومحاسبته أو مناقشته بل معذبيته عليها ولإخطاره كون ما في يده مستعارا له والملك لغيره ونفسه عبد خادم له قال الغزالي الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس