916- حَدَّثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ (1)، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (2).
(1) قوله: «عَمَّارِ بْنِ يَاسِر»، من جميع النسخ الخطية التي حُقق عليها الكتاب، بما فيها نسخة السُّلَيمية، وجميع الطبعات: الجيل والرسالة وعبد الباقي، والصديق.
وقد جاء في بعض النسخ الخطية التي لم تصلنا من سنن ابن ماجة: «حُذَيفة»، بدلاً من: «عَمَّارِ بْنِ يَاسِر»، وقد أشار إلى ذلك، كل من: ابن عساكر، والمزي، وابن عبد الهادي، ومغلطاي، وابن كثير، والبوصيري، وابن حجر.
- فأما ابن عساكر: فقد أورد حديث ابن ماجة هذا في «الأطراف" في ترجمة [صِلَة بن زُفَر، عَن حُذَيفة]، ولم يورده في ترجمة [صِلَة بن زُفَر، عَن عمار]. أشار إلى هذا الزيلعي في «نصب الراية» (1/431).
- وأما المزي: فقد أورد حديث ابن ماجة هذا مرتين في «تحفة الأشراف»، مرة في مسند "حذيفة» (3356)، ومرة في مسند "عمار» (10355)، فكأنه لم يترجح لديه شيء في اختلاف نسخ ابن ماجة، فأثبت كلا الوجهين.
- وأما ابن عبد الهادي: فقد قال في «تنقيح التحقيق» (2/286): [وعن حذيفة بن اليمان ....... رواه ابن ماجة أيضًا، وإسناده صحيحٌ، وفي بعض النُّسخ الصَّحيحة: عمَّار بن ياسر بدل حذيفة، وهو سهوٌ]
- وأما مغلطاي: فقد قال في «شرح سنن ابن ماجة» (5/383): [وكان في الأَصل المنقول منه: «صِلَة، عَن عَمار»، فكأنه جُعِلَ "حُذَيفة»، اتباعاً لما ذكره ابن عساكر ومَن بعده، وكأنه غير جيّد، وذلك أنّ الدارقطني ذكر هذا الحديث بعينه، كما أسلفناه، من حديث "فضالة»، في مسند "عمار»، ولم يذكر حديث "حذيفة"].
- وأما ابن كثير: فقد أورد حديث ابن ماجة هذا في «جامع المسانيد والسنن» (2/237)، تحت ترجمة: «صلة بن زفر عن حذيفة»، وقال: [رواهُ ابن ماجة من حديث أبي بكر بن عياشٍ، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حُذيفة، قال: كان رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم يُسلم عن يمينه، وعن شماله].
- وأما البوصِيري: فقد قال في «مصباح الزجاجة» الورقة (59)، ورقم (336)، طبعة الجامعة الإسلامية: [هكذا وقع في بعض النسخ " عَمار بن ياسر»، وفي بعضها: «صِلَة بن زُفَر, عَن حُذَيفة"].
- وأما ابن حجر: فقد قال في «إتحاف المهرة» (2/220): [ووقع هذا الحديث، في بعض نسخ ابن ماجة، عن صلة بن زفر، عن عمار بن ياسر ............ ، وفي بعضها، عن صلة بن زفر، عن حذيفة]. وأشار إلى ذلك أيضاً في «النكت الظراف» (10355).
وقد روى هذا الحديث، عن أبي بكر بن عياش، فيما وقفت عليه، خمسة رواة، غير "يحيى بن آدم»، كلهم جعلوه من مسند "عمار بن ياسر»، بلا خلاف بينم، وهم:
- ابن الأَصْبَهَانِيّ محمد بن سعيد، وأخرج روايته ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (5955).
- فَضَالَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْكُوفِيُّ، وأخرج روايته الترمذي في «ترتيب علل الترمذي الكبير» (107)، والبزار في مسنده (1395)، والدارقطني في سننه (1347).
- يُوسُفُ بن عَدِيٍّ، وأخرج روايته الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1599).
- سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وأخرج روايته الطبراني في «المعجم الأوسط» (925).
- يَحْيَى بن عبد الحميد الْحِمَّانِيُّ، كما في «ترتيب علل الترمذي الكبير» (107).
وخلاصة الأمر أننا وجدنا سبعة من العلماء، قد ظهر من أقوالهم، أو أفعالهم، ما يدل على أن هناك اختلاف في النسخ الخطية لسنن ابن ماجة في هذا الحديث. فأما مغلطاي فرجح رواية "عمار»، وأما ابن عبد الهادي فرجح رواية "حذيفة»، وأما ابن عساكر وابن كثير فلم يذكرا إلا رواية "حذيفة»، وأما المزي، والبوصيري، وابن حجر، فلم يرجحوا شيء.
والذي أراه، والله تعالى أعلم، أن كلا الوجهين محتمل، والأفضل عدم الترجيح، كما فعل المزي، والبوصيري، وابن حجر. وذلك لأن كلا الوجهين قد جاء في نسخ خطية عتيقة، صحيحة، كما صرح بذلك ابن عبد الهادي، وكما يدل عليه فعل المزي في «تحفة الأشراف». فالحديث وإن كان الصواب فيه أن أبا بكر بن عياش قد جعله من مسند "عمار»، لتوافق خمسة من الرواة عن أبي بكر بن عياش بذلك، إلا أن ما يعنينا هنا، ليس معرفة صحة الرواية عن أبي بكر بن عياش، وإنما معرفة ما أثبته ابن ماجة في سننه، وإن كان خطأً على أبي بكر بن عياش. وأما أصل الحديث، فالصواب فيه، أن رواية أبي بكر بن عياش خطأ، من كلا الوجهين، فلا هو من مسند "عمار»، ولا هو من مسند "حذيفة»، وإنما هو من فعل "عمار»، موقوفاً عليه، كما بين ذلك البخاري، عندما سأله الترمذي عن هذا الحديث، فعلق قائلاً: [الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ , عَنْ عَمَّارٍ فِعْلَهُ]. "ترتيب علل الترمذي الكبير» (107).
وبما أن الذي يَعنينا هنا، هو معرفة ما أثبته ابن ماجة في سننه، بغض النظر عن صحته، فالذي أعتقده أن الواقع لا يخرج عن أحد احتمالين:
الاحتمال الأول: أن يكون ابن ماجة قد أثبت في سننه "حذيفة»، وهماً منه، أو من شيخه "علي بن محمد»، أو من شيخ شيخه "يحيى بن آدم»، ثم جاء أحد النُّساخ الجهلة، ممن نسخ سنن ابن ماجة من بعده، فغيَّرها إلى "عمار»، ظناً منه أن هذا من باب التصويب، ثم انتشرت بعد ذلك هذه النسخة المعدّلة، وبقيت نسخ أخرى بدون تعديل.
الاحتمال الثاني: أن يكون ابن ماجة قد أثبت في سننه "عمار»، على الصواب، ثم جاء أحد النُّساخ ممن نسخوا سنن ابن ماجة من بعده، فأخطأ سهواً، فجعلها "حذيفة»، ثم انتشرت بعد ذلك هذه النسخة المحرَّفة، وبقيت نسخ أخرى بدون تحريف.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(2) «مصباح الزجاجة» (336)، طبعة الجامعة الإسلامية.