تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1114- حَدَّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالاَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلى الله عَليه وسَلم: أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟ (1) قَالَ: لاَ، قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا.

(1) لفظة: «تَجِيءَ»، جاء عن المزي أنها مُصَحَّفة، فيما نقله عنه ابن القيم في «زاد المعاد» (1/411)، حيث قال: [وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي: هذا تصحيف من الرواة، إنما هو: «أصليت قبل أن تجلس»، فغلط فيه الناسخ. وقال: وكتاب ابن ماجة إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفاظ تداولوهما، واعتنوا بضبطهما، وتصحيحهما. قال: ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف].

وكذلك نقل هذا القول عن المزي ابن حجر في «تلخيص الحبير» (2/194)، والسخاوي في «الغاية في شرح الهداية» (1/226).

وحُكْمُ المزي على هذه اللفظة بأنها غلط، صحيح عندي، لا شك فيه، إلا أني اختلف معه في أمرين:

الأمر الأول: هو ذِكْرُهُ بأن الذي صحف هذه اللفظة هم رواة سنن ابن ماجة، ونُسَّاخه. لأن هذا معناه أنه يرى أن ابن ماجة كتب في سننه: «تجلس»، وصحفها النُساخ إلى: «تجيء». والذي أراه، أن الذي أخطأ في هذه اللفظة هو شيخ ابن ماجة، ولا علاقة لنُسَّاخ السنن بهذا التصحيف.

الأمر الثاني: هو ذِكْرُهُ بأن سبب الغلط في لفظة "تجيء" هو أنها مصحفة من لفظة "تجلس». والذي أراه، أن الغلط سببه أن شيخ ابن ماجة إنما روى الحديث بالمعنى.

وفيما يلي تفصيل كل ما سبق بالأدلة:

لفظة: «تَجِيءَ»، ثابتة في جميع طبعات الكتاب التي اطلعت عليها: الجيل والرسالة وعبد الباقي، والصديق. وذلك نقلًا عن جميع النسخ الخطية التي وقفت عليها: السُّلَيمية، والتيمورية، وباريس، والمحمودية، والأزهرية، وعارف. وكذلك نسخة مراد، فيما ذكره محقق طبعة الصديق. ولم يشر محقق طبعة الرسالة إلى خلاف في هذه اللفظة في النسخ التي اعتمدها، مما يدل على أنها كذلك في نسخة السليمانية. وكذلك لم يشر محقق طبعة الجيل إلى خلاف في هذه اللفظة في النسخ التي اعتمدها، مما يدل على أنها كذلك في نسختي الأوقاف العراقية، وجار الله.

ويضاف إلى ذلك أن كل من نقل هذا الحديث عن ابن ماجة، من أهل العلم، نقله بإثبات هذه اللفظة، وهم فيما وقفت عليه:

1- الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (2/374).

2- أبو شامة المقدسي في «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (1/99).

3- أبو العباس ابن تيمية، فيما نقله عنه ابن القيم في «زاد المعاد» (1/411).

4- الزيلعي في «نصب الراية» (2/206).

5- ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (1/399).

6- العراقي في «طرح التثريب» (3/181).

7- ابن حجر في «تلخيص الحبير» (2/194).

8- السخاوي في «فتح المغيث» (3/77)، و«الغاية في شرح الهداية» (1/226).

إذن عشر نسخ خطية، وثمانية من أهل العلم، اتفقوا جميعًا على ثبوت هذه اللفظة في سنن ابن ماجة. فكيف عرف المزي أن التصحيف من النُسَّاخ؟ هل وقع على نسخة خطية ثبتت فيها لفظة: «تجلس»، ولم تقع لنا هذه النسخة، ولا لأحد من أهل العلم السابقين؟ أم أن حكمه بتصحيف النُساخ اجتهاد منه؟ الذي أراه، والله أعلم، أنه اجتهاد منه، فهو لم يذكر هذا الكلام في التحفة أو التهذيب، وإنما نقله عنه تلميذه ابن القيم، على سبيل المذاكرة، فيما يظهر.

وقد روى هذا الحديث عن حفص بن غياث، ثمانية رواة، فيما وقفت عليه، ولم يقل أحدٌ منهم: «قبل أن تجيء»، إلا شيخ ابن ماجة، داود بن رشيد. وظاهر هذا اللفظ أن الركعتين إنما هي سنة قبلية للجمعة، تُصلى قبل المجيء للمسجد، في حين أن ظاهر ألفاظ بقية الرواة عن حفص، أن الركعتين إنما هي تحية المسجد، وهذا يدل على أن داود بن رشيد قد أخطأ في هذا الحديث.

أما سبب ترجيحي لكون داود بن رشيد قد أخطأ بسبب روايته الحديث بالمعنى، وليس بسبب التصحيف، فلأن جميع الرواة السبعة الآخرين الذين رووا هذا الحديث عن حفص لم يقل أحد منهم: «قبل أن تجلس»، فكيف إذن صحف داود بن رشيد لفظة "تجيء" من لفظة "تجلس»، وشيخه حفص لم يستخدم أيٍ من تلك اللفظتين.

ولم يذكر لفظة "تجلس»، فيما وقفت عليه، إلا داود بن نصير الطائي، عن الأعمش، كما في مجلسين من إملاء النسائي (23)، وصحيح ابن حبان (2501). وهو بذلك قد تفرد أيضًا بهذه اللفظة دونًا عن بقية الرواة عن الأعمش. وكذلك وردت هذه اللفظة من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، كما في معجم ابن الأعرابي (200)، ومن أحاديث خيثمة الأطرابلسي (36).

وفيما يلي قائمة بأسماء الرواة السبعة الذين رووا هذا الحديث عن حفص غير داود بن رشيد:

1- أبو بكر بن أبي شيبة، كما في «المصنف» (5204)، و (5255)، و (37581)، و (37638).

2- عبد الله بن نمير، كما في «مسند أبي يعلى» (2276).

3- عمر بن حفص بن غياث، كما في «القراءة خلف الإمام» للبخاري (173)، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي (2153).

4- محمد بن محبوب، كما في «سنن أبي داود» (1116).

5- إسماعيل بن إبراهيم، كما في «سنن أبي داود» (1116).

6- محمد بن يزيد الرفاعي، كما في «المشيخة البغدادية» لأبي طاهر السلفي (9).

7- أبو معمر القطيعي، كما في «المعجم الكبير» للطبراني (6698).

أما سبب ترجيحي لكون داود بن رشيد هو المخطئ، وليس نُساخ سنن ابن ماجة، فلأن ابن ماجة قد تابعه في رواية هذا الحديث عن داود بن رشيد، بإثبات لفظة "تجيء»، كل من: أبو القاسم البغوي، كما في «معجم الصحابة» (1652)، وأبو يعلى الموصلي، كما في «مسنده» (1946)، وعنه ابن حبان، كما في «صحيحه" بترتيب ابن بلبان (2500). هذا بالإضافة إلى ما ذكرته سابقًا من اتفاق عشر نسخ خطية، وثمانية من أهل العلم على ذلك، والله تعالى أعلم.

جامع السنن · الصفحة ١١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع السننص ١١٣٨