فكيف يتصور أن يتركوا الأمر الأسهل الذي هو الإتيان بمقدار أقصر سورة من القرآن، ويختاروا الأشد الأصعب الذي هو القتال وبذل الأرواح والأموال، والرسول صلى الله عليه وسلم يقرعهم ويتحداهم بمثل قوله تعالى في سورة البقرة آية 23-24: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين - فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: 23 - 24]
وبمثل قوله تعالى في سورة يونس آية 38: ﴿قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [يونس: 38]
وبمثل قوله تعالى في سورة الإسراء آية 88: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الإسراء: 88]
ولو كان العرب يظنون أن محمدا صلى الله عليه وسلم استعان بغيره في تأليف القرآن الكريم لأمكنهم أيضا من أجل المعارضة والتحدي أن يستعينوا بغيرهم؛ لأنهم مثله في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة، فلما لم يفعلوا ذلك وآثروا المقاتلة والمقارعة بالسنان على المعارضة والمقاولة باللسان - ثبت أن بلاغة القرآن الكريم كانت مسلمة عندهم، وأنهم عاجزون عن المعارضة، وغاية الأمر أنهم صاروا مفترقين بين مصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن المنزل عليه من ربه، وبين معاند متحير في بديع بلاغة القرآن، والأخبار المنقولة في ذلك عن الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وغيرهما تؤيد ذلك.
الأمر الثالث: كون القرآن الكريم منطويا على الأخبار عن الحوادث الآتية