بذلك بقوله تعالى ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والقاضي لا يكون أفطن في نفسه من الرسول عليه الصلاة والسلام ، فإن اتفقوا على شيء وكان رأيه كرأيهم فصل الحكم ، وإن اختلفوا نظر إلى أقرب الأقوال من الحق وأمضى ذلك ، وإن كان من أهل الاجتهاد ، ولا يعتبر السن ولا كثرة العدد ؛ لأن الأصغر والواحد قد يوفق للصواب في حادثة ما لا يوفق الأكبر والجماعة .
إما لكثرة فطنته وحفظه أو لجودة خاطره وذكاء فهمه - ألا يرى أن عمر رضي الله عنه كان يشاور ابن عباس وكان يقول له : غص يا غواص ، وكان إذا أصاب يقول له : " شنشنة أعرفها من أخزم " ، وهذا مثل تذكره العرب لمن يشبه أباه ، وكان يأخذ بقوله ، وعمر أكبر سنا ، فإذا اجتمع فقهاء البلد على شيء وكان رأيه خلاف ذلك فلا ينبغي أن يعجل بالحكم حتى يكتب فيه إلى غيرهم ويشاورهم ثم ينظر إلى أحسن ذلك فيعمل به ؛ لأن المشورة بالكتاب من الغائب بمنزلة المشورة بالخطاب من الحاضر ، فإن وافق رأيه رأيهم يقضي به ، وإن خالف رأيه رأيهم قضى برأي نفسه ؛ لأن رأيه أصوب عنده ورأي غيره ليس بصواب فيقضي بما عنده لا بما عند غيره .
فإن أشكل على القاضي شيء فشاور فيه فقيها ينظر فيه إن لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد يسعه أن يأخذ بقوله ؛ لأن الواجب عليه أن يستفتي فيأخذ بقول المفتي ، وإن كان من أهل الرأي ورأيه خلاف رأي هذا الفقيه يقضي برأيه ؛ لأن رأيه صواب عنده إلا أنه أمر بالمشورة في الابتداء رجاء أن ينضم رأي غيره إلى