( فصل ) : فيما يلزمه في خاصة نفسه " واعلم : أنه يجب على من ولي القضاء أن يعالج نفسه على آداب الشرع وحفظ المروءة وعلو الهمة ، ويتوقى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله ، أو يحطه في منصبه وهمته ، فإنه أهل لأن ينظر إليه ويقتدى به ، وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره ، فالعيون إليه مصروفة ، ونفوس الخاصة على الاقتداء بهديه موقوفة ، ولا ينبغي له بعد الحصول في هذا المنصب سواء وصل إليه برغبته فيه وطرح نفسه عليه ، أو امتحن به وعرض عليه ، أن يزهد في طلب الحظ الأخلص والسنن الأصلح ، فربما حمله ذلك على استحقار نفسه لكونه ممن لا يستحق المنصب ، أو زهده في أهل عصره ويأسه من استصلاحهم واستبعاد ما يرجو من علاج أمرهم وأمره أيضا لما يراه من عموم الفساد وقلة الالتفات إلى الخير .
فإنه إن لم يسع في استصلاح أهل عصره فقد أسلم نفسه وألقى بيده إلى التهلكة ويئس من تدارك الله تعالى عباده بالرحمة ، فيلجئه ذلك إلى أن يمشي على ما مشى عليه أهل زمانه ولا يبالي بأي شيء وقع فيه لاعتقاده فساد الحال ، وهذا أشد من مصيبة القضاء وأدهى من كل ما يتوقع من البلاء ، فليأخذ نفسه بالمجاهدة ويسعى في اكتساب الخير ويطلبه ويستصلح الناس بالرهبة والرغبة ، ويشد عليهم في الحق ، فإن الله تعالى بفضله يجعل له في ولايته وجميع أموره فرجا ومخرجا ، ولا يجعل حظه من الولاية المباهاة بالرياسة وإنفاذ الأوامر والتلذذ بالمطاعم والملابس والمساكن فيكون ممن