الفصل الثاني : في الأحكام اللازمة للقاضي في سيرته ، والآداب التي لا يسعه تركها .
وما جرى عمل الحكام بالأخذ به .
ونبدأ برسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعروفة برسالة القضاء ومعاني الأحكام ، وعليها احتذاء قضاة الإسلام ، وقد ذكرها كثير من العلماء وصدروا بها كتبهم ، وهذه الرسالة أصل فيما تضمنته من فصول القضاء ، وهي : " بسم الله الرحمن الرحيم من عمر أمير المؤمنين إلى أبي موسى الأشعري : سلام عليك ، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد : فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، فافهم إذا أدلي إليك وأنفذ إذا تبين لك ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له .
سو بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك ، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ، ولا يطمع الشريف في حيفك ، والبينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه رشدك أن تراجع الحق ، فإن الحق ومراجعته خير من الباطل والتمادي فيه ، والفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما لا يبلغك في الكتاب والسنة ، اعرف الأمثال والأشكال وقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى ، اجعل للمدعي حقا غائبا أو بينة أجلا ينتهي إليه فإن أحضر بينة أخذت بحقه ، وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر والمسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا مجلودا في حد ، أو مجربا