واعلم : أن ما ذكره من أن القاضي لا يقيم الحدود فيه نظر ، والمنقول في المذهب أن له إقامة الحدود إذ هو الأصل ؛ لأنه للخلفاء والقضاة .
قال ابن عمر وعمار بن ياسر وجماعة من الصحابة : أربع إلى الولاة : الفيء ، والجمعة ، والحدود ، والصدقات .
نعم القتل لا يكون لكل القضاة وبالجملة فإن إقامة الحدود لا تكون لكل أحد ، بل ولا لكل وال لما تؤدي إليه المسارعة إلى إقامة الحدود من غيرهم من الفتنة والتهارج .
وروي عن عمر أنه نهى الولاة عن القتل إلا بإذنه ، وأيضا فإنه يلزم على إقامة الحدود أحكام من فسق المحدود وغير ذلك ، فيجب التحوط لها بقصرها على بعض الولاة وأما ما ذكره من أن السياسة ليس له فيها مدخل : فليس على إطلاقه .
وقد قال بعض العلماء : إن خطة القضاء أعظم الخطط قدرا ، وإن إليه المرجع في الجليل والحقير بلا تحديد ، وإن على القاضي مدار الأحكام وإليه النظر في جميع وجوه القضاء من القليل والكثير ، وإنه يختص بالنظر في الجراحات والتدميات ، وإن القاضي يباشر كل الأمور إلا أمورا خاصة وسيأتي في أول القسم الثالث ما يدل على أن له النظر في كثير من السياسات الشرعية .
واعلم : أن الذي يعول عليه في ذلك العرف ، وقد قال الإمام العلامة شمس الدين محمد بن قيم الجوزية الحنبلي : اعلم أن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيد المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف ، وليس لذلك حد في الشرع ، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة وفي