ولا ينبغي أن يقدم على ولاية القضاء إلا من وثق بنفسه وتعين لذلك أو أجبره الإمام العدل على ذلك ، فللإمام العدل إجباره إذا كان صالحا ، وله هو أن يهرب ويمتنع إلا أن يعلم أنه تعين عليه فيجب عليه القبول ، كذلك إذا تحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه ، فلا يجوز له حينئذ الامتناع ، بل يجب عليه السعي في طلبه وتحصيله لتعين القيام بهذا الفرض عليه ، ويدل على ذلك قوله تعالى حكاية عن يوسف صلوات الله عليه ﴿ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ فإنه كان بين قوم كفار فأراد استصلاحهم ودعاءهم إلى الله تعالى بالسعي في هذه الولاية دون غيرها ؛ لأن المتولي لأرزاق العباد تذل له الرقاب ، وتخضع له الجبابرة ولا يستغني أحد عن بابه ، فلهذا طلب هذه المرتبة دون الإمارة والوزارة وغير ذلك من الولايات .
لا يقال : إنه طلب ذلك ليتوصل به إلى الاجتماع بأخيه ، فإن منزلته أشرف من هذا وأكمل ، وإن كان الغرض حاصلا فعلى سبيل التبعية ؛ لأنه من لوازم هذه الولاية ، أعني : أن إخوته لا بد لهم من الميرة وطلب القوت من عنده " صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين " .