مقتضى النظر ، ولا تردد في ذلك ولا إشكال إذا لم يعارض الحال الحال ، ولكن قد يعترض حالان ، استصحاب أحدهما يضاد استصحاب الحال الآخر ، فهاهنا يقع الإشكال فيختلف أهل النظر من الأئمة في تمييز المدعي من المدعى عليه ويفتقر كل واحد منهما إلى ترجيح الحالة التي استصحبها .
مثاله : رجل قبض من رجل دنانير ، فلما طالبه بها دافعها زعم أنه إنما قبضها عن سلف كان أسلفه لدافعها .
وقال دافعها : بل أنا أسلفتك إياها وما كنت أنت أسلفتني شيئا قط ، فإن اعتبرنا الفرق بين المدعي والمدعى عليه بأن المدعي من لو سكت لترك لسكوته وجدنا ها هنا الدافع هو المدعي ؛ لأنه لو سكت لترك وسكوته ، والقابض لو سكت عن جواب الطالب ما ترك وسكوته ، وإن بنينا على الأصل الآخر وهو دعوى الأمر الجلي أو الخفي فإنا إن استصحبنا كون الدافع بريء الذمة من سلف هذا القابض صدقنا الدافع وجعلناه هو المدعى عليه السلف الذي الأصل عدمه ، وإن اعتبرنا حال القابض هو المدعى عليه فما يعرض الإشكال إلا عند تصادم مقتضى الأحوال فيفتقر إلى ترجيح استصحاب أحد الحالين على الآخر .
وقد ذكر شريح القاضي أنه قال : وليت القضاء وعندي أني لا أعجز عن معرفة ما يتخاصم إلي فيه ، فأول ما ارتفع إلي خصمان أشكل علي أمرهما من المدعي ومن المدعى عليه قلت : ولعله أشار إلى هذا الذي نبهنا عليه .