الرابع: أن يأكل ما يقيم صلبه للكسب والعمل وهذا هو الشبع الشرعي قال صلى الله عليه وسلم: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه للكسب فإن كان لا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).
الخامس: أن يأكل إلى ثلث بطنه وقد سبق أنه ستة أشبار وهذا لا كراهة فيه.
السادس: أن يزيد على ذلك وهو مكروه وبه يحصل للانسان الثقل والنوم.
قال لقمان لابنه (يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الاعضاء عن العبادة) وقال بعض الحكماء: من كثر أكله كثر شربه ومن كثر شربه كثر نومه ومن كثر نومه كثر لحمه ومن كثر لحمه قسا قلبه ومن قسا قلبه غرق في الآثام وهذه القسم غلبت عليه عادة الناس.
السابع: أن يأكل زيادة على ذلك إلى أن يتضرر وهي البطنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصل كل داء البردة) سميت بردة لأنها تبرد المعدة عن هضم الطعام فيتولد من ذلك أمراض قال ابن الحاج: وهذا القسم حرام ومن العلماء من فسر البردة بادخال الطعام على الطعام الأول قبل هضمه وسيأتي أن ذلك إنما يضر بعد الشرب أما قبل الشرب فله أن يدخل ما شاء على ما شاء.
في حد جوع الفتى قولان قيل بأن ... يشهى له الأكل مختلط لدى الأكل
وقيل إن وقعت في الأرض ريقته ... شم الذباب وشد السير في عجل
حد الشبع قد تقدم وأما الجوع فحكى الغزالي فيه قولان في الإحياء أحدهما أن يشتهي الخبز وحده فإن أتى بالخبز وطلب معه الأدم فغير جوعان.
الثاني أن ينتهي به الجوع إلى حد لو وقعت ريقته على الأرض لم يقع الذباب عليها لخلوها من آثار دسومات الطعام وقوله يشهي هو بغير تاء ويشتهي لغتان قال الشاعر:
أكلت الذباب فما عفتها ... ولأني لاشهى قديد الغنم
ولحم الخروف نضيجا وقد ... أوتيت به فاترا في الشبم
فأما البهيض وحنيانكم ... فأصبحت منها كثير السقم
والشبم البارد والبهيض بالباء والضاد المعجمة الارز باللبن انشد هذه الأبيات مع أبيات بعدها الحافظ والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن طعمت فأسير من طعامهم ... ومن شرابك ليس العل كالنهل
ينبغي للآكل عند غيره أن يترك من الطعام بقية وكذا من الشراب لئلا تخجل أصحاب الطعام ولأن أكل جميع الطعام وشرب جميع الماء من اللوم.
ولا تكن نهما في الأكل واقتصد ... وانفي عن العرض وصف الجوع والبخل
إن الرغيب مشؤم في الأنام فكن ... زهيد أكل ترى في الناس ذا نحل
التوسط في كل شيء حسن وقد قال الله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) الآية: 67 - الفرقان، وقال تعالى: (ولا تمشي في الأرض مرحا)أي مفتخرا ثم قال الله تعالى: (واقصد في مشيك) الآية 18 - 19 - لقمان، أي لا تثب وثوب الشطار ولا تحسن مشية المتبخترين فينبغي للآكل أن يتوسط في أكله فلا يقصر فيه حتى ينسب إلى التحشم ولا يبالغ فيه حتى ينسب إلى الشره والجوع والبخل.
والرغيب هو الكسير الرغبة في الرغبة في الاكل والزهيد عكسه وفي الحديث أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بعبد يشتريه فوضعوا له طعاما فأكل الجميع فقال صلى الله عليه وسلم: (الرغبة من الشؤم ولم يشتره).
وإن خصصت بشىء لا تعم به ... إن العموم لمن راعاك بالنحل
إذا خص المالك بعض الضيفان بنوع من الاطعمة أو بطعام أشرف من طعام من هو دونه فليس له أن يطعم منه غيره لأن القرينة قاضية بالتخصيص فلا يجوز التعميم إلا لصاحب المنزل.
ولا تكن ضيغنا خلف الضيوف ودع ... شراهة النفس في الإبكار والطفل
الضيغن الرجل الذي لا يعزم عليه ولكن إذا رأى الضيوف تبعهم واستحى منه صاحب المنزل أن يمنعه من الدخول معهم وجميع ما يأكله الضيغن حرام والضيغن هو الطفيلي والطفل اواخر النهار والشراهة شلة الشهوة إلى الطعام.
ولا تكن في غضون الأكل ذا نظر ... إلى جليسك يغدو منك في خجل