تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جمع البيهقى بين حدتى إمجدوم ثقيف والذى وضع يده في الصحفة ، بأن أحدهما فيمن يقدر على الصبر فى المكاره ، ويترك الاختيار فى موارد القضاء، والحديث الأخر فيمن يخاف على نفسه العجز عن احتمال المكروه والصبر عليه ، فيحترز بما هو جائز بى الشرع من أنواع الإاحترازات .

وأجاب الفرطبى في والمفهم « عن الإشكال فقال : إنما نهى عن إيراد الممرض على المصح ، مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك ، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام . وهذا كنحو قوله : وفزوا من المجذومه ، لأنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدى ، فإنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهة لذلك ، حتى لو أكرم الإنسان ، نفسه على القرب منه ، وعلى مجالسته ، تألمت نفسه ، وربما تأدت بذلك . وإذا كان ذلك ظهر أن الأولى للمرء أن لا يتعرض الإنسان إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة فيجانب طرق الأوهام ، ويباعد أسباب الألام ، مع علمه بأنه لا ينجى حذر عن قدر والله أعلم ثم وجدت سلف الجميع في ذلك ، وهو أبو عبيد القاسم / بن سلام ، فذكر ما معناه أن النهي في أن لا يورد الممرض على المصح ، ليس لإثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله ، فربما وقع فى نفس صاحبها أن ذلك من العدوى . فيفتتن ويتشكك في ذلك ، فأمر بإجتنابه . قال أبو عبيد : وكان بعض الناس يحمله على أنه مخافة على الصحيحة من ذات العاهة قال: وهذا شر ما حمل عليه الحديث، لأنه رخصة فى التطير المنهى عنه ، ولكن وجهه عندى ما قذمته ، انتهى [الفصل الثالث] ذكر بيان الحكمة فى النهي عن الخروج من البلد الذى وقع فيها الطاعون فرارا منه ذهب بعض أهل العلم ، إلى أن ذلك أمر تعبدى لا يعقل معناه، والسبب عندهم في ذلك ، أن الفرار من :المهالك مأمور به ، وقد صح النهىي عن الخزوج من البلد الذى وقع فيه الطاعون ، فكان ذلك لسر فيه لا تعلم حقئقته ، فالأولى فيه التسليم وامتثال ما أمر به الشارع .

وذهب كثير من العلماء إلى التعليل ، وأبرزوا في ذلك جكما منها : أن الطاعون : فى الغالب ب يكون عاما فى البلد الذى يقع به ، فإذا وقع والشخص بها، فالظاهر مداخلة سببه له ، فلا يفيده الفرار منه . بل إن كان أجله حضر فهو ميت، سواء أقام أم رحل ، وكذا بالعكس وإلى هذا صار من رجح أحد الوجهين ، فى أن تصرفات الضحيح في البلد الذى يقع فيه الطاعون ، كتصرفات المريض مرض الموت ، كما سياتى بنانه فى [الباب] الخامس . فلما ثانت المفسدة قد تعينت ولا انفكاك جنها حسنت الإقامة، لما فى الخروج من العبث الذى لا يليق بالعقلاء ، وأيضا لو توارد الناس على الخروج ، لبفى من وقع به عاجزا عن الخروج ، فضاعت [مصالح ] المرضى ، لفقد من يتعهدهم ، والموتى لفقد من يجهزهم . ولما فى خروج الأقوياء على السفر من كسر قلوب من لا قوة له على ذلك . وقد قيل في الحكمة فى شدة الوعيد على الفرار من الزحف :، لما فيه من تخويف الباقين وإزعاجهم ، وخذلان من كان مستمرا فى القتال وقد جمع الغزالى في الإحياء بين الأمرين ، فقال : الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن ، بل من حيث دوام الاستنشاق ، فيصل إلى الرتة والقلب فيؤثر فيهما، ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن . فالخارج من البلد الذى يقع به ، لا يخلص غاليا من الأمر الذى استحكم من قبل ، ولكنه يتوهم الخلاص ، فيصير من الأوهام القادحة في التوثل . ثم أنضاف إلى ذلك ، أنه لو رخص للاصحاء في الخروج ، لما بفى من يتعهد المرضى ، وتضيع مصالحهم .

ومنها : ما تقدم من أن الخارج يقول : لو لم أخرج لمت ، ويقول المقيم لو خرجت كما خرج فلان لسلمت فيقع فى اللو المنهى عنها وإلى هذا مال ابن عبدالبر فقال: النهى عن الخروج للإيمان بالقدر والنهي عن القدوم لدفع ملأمة النفس . ونقل عن أبن مسعود رضى الله عنه أنه قال: الطاعون فتنة للمقيم وللخارج عنه .

بذل الماعون في فضل الطاعون · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بذل الماعون في فضل الطاعونص ٦٠