والذى يظهر لى أن صنيع عمر رضى الله عنه ، برجوعه من أن يدخل البلد الذى وقع فيه الطاعون ، ليس من القرار فىي شىء ، وإنما هو بمنزلة من قصد دخول دار فرأى بها حريقا تعدر طفيه ، فعدل عن دخولها لئلا يضيبه ، فهو من باب اجتناب المهالك ، وهو مأمور به .
هذا الذى يظهر أنه جنح إليه عمر ومن وافقه ، قبل أن يبلغهم الحديث المرفوع ، فلما بلغهم جاء مطابقا لما اختاروه . فلاجل ذلك قال من قال: إنما رجع عمر لأجل حديث عبدالرحمن ، لا لأجل ما اقتضاه نظره . والحق أنه هم أن يرجع فلما بلغه الخبر استمر عزمه ، كما تقدم تقريره.
وأما الذين خالفوا رأى عمر فى / ذلك قبل أن يبلغهم الخبر فسلكوا سبيل التوثل ز المحض ، مع قطع النظر عن الأسباب ، وهو مقام شريف يناسب مرتبة خيار الصحابة ، ولهذا كان الكثير من المهاجرين والأنصار على هذا الرأى ، ولم يجنح إليه أحد من مشايخ قريش وإنما وافقهم عمر- وإن كان من كبار المهاجرين - لأنه غلب عليه النظر في مصالح المسلمين ، وذلك لا يتم إلا بالنظر فى الأسباب، والعمل بالراجح منها، مع اعتقاد أن الأمور كلها بقدير الله . وقد وزد فى ذلك حديث: واعقلها وتوكل ، أخرجه الترمدى وغيره ثم ساق الطحاوى من طريق زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : قال عمر رضى الله عنه : اللهم إن الناس تحلونى ثلاث خصال ، وأنا أبرا : إليك منهن ] زعموا أنى فررت من الطاعون ، وأنا أبرا إلينك من ذلك . . وذكر الطلاء والمكس ، وسنده صحيح . : قال : فدل على أن زجوعه كان لغير الفزار، وكذا كتابه إلى أبى عبيدة فيما أمره به من خروجه هو ومن معه من الجند ، إنما هو بمعنى التداوى بالانتقال من أرض وخمة إلى أرض صحيحة ثم ساق قضة الغرنن ، وقال: كان خروجهم عن المدينة للعلاج لا للفرار، وهو واضح من قصتهم ، انتهى ملخصا وكذلك يحمل ما ورد عن عمر أنه ندم على رجوعه من سرغ ، وهو فيما أخرجه ابن أبى شيبة في امصنفهه قال: تنا محمد بن بشر. وقال إسحاق في ومسنده : أنبا أبو عامر العقدى . قالا : أنبا هشام بن سعد قال : حدثنى عرفة بن رويم ، عن القاسم ، عن عبد الله بن عمر قال : جتت عمر حين قدم الشام ، فوجدته قائلا في خبائه ، فانتظرته فى فء الخباء] ، فسمعته يقول حين تضور من نومة ، اللهم اغقر لى رجوعى من سرع وسنده حسن .
وقد قال الزركشى في والجزءة الذي جمعه في الطاعون ، تبعا لتاج الدين السبكى ، نقلا عن القرطبى في المفهم : لا يصح ندم عمر على رجوعه ، وكيف يندم على فعل ما) أمر به النبي ، ويرجع عنه ويستغفر منه] .
قلت : أقر التاج هذا ، وأما الزركشى فرته ، وقال: هذا إسناد صحيح . قلت : وإنى لاتعجب من القرطبن ، كيف يرد الأخبار القوية بمثل هذا مع إمكان الجمع .
تم قال الزركشى : يحتمل أن يكون ندمه مخافة أن يكون فارا من القدر، ورأى أن النهي عن [القدوم عليه رخصة فقد حكى البغوى في أشرح السنةة ، عن قوم : أن النهي عن ] الفزار من الطاعون على التحريم ، والنهى عن القدوم عليه على التنزيه ، فيكون القدوم عليه رخصة لمن غلب عليه التوكل ، والأنصراف عنه رخصة لمن أنصرف ، انتهى وليس في كلام عمر رضى الله عنه ما يحصر الأمر فيمازذكره ، بل يحتمل أن يكون ندمه واستغفاره ، لأنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين ، فوصل إلى قريب البلد الذى كانت حاجته فيه ، ثم رجع من ثم إلى المدينة ، للحديث الذي سمعه فى النهي عن القدوم عليه .
وكان يمكنه أن لا يفعل وأحدا من الأمرين ، وهو أن لا يقدم على البلد الذى فيه الطاعون امتثالا للحديث، ولا يرجع إلى المدينة من غير قضاء الحاجة التى خرج لها . بل كان يمكنه أمر تالت، وهو أن يقيم بالقرب من البلذ المذكورة، إلى أن يرتفع الطاعون ، فيدخل إلى قضاء ماربه ، ولا سيما والواقع أن الطاعزن وقع ارتفاعه بعد رجوعه بزمن يسير كما تقدم ، وهو قدر مسافة الطريق في كتابه إلى أبى عبيدة وجواب أبى عبيدة ، ثم كتابه إليه ثانيا يأمره بأن يتحول بالجند ، فامتثل أمره ، وشرع في التجول ، وارتفع الطاعون .