تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلعله رأى أنه لو انتظر إلى أن يرتفع كان أولى من رجوعه ، لما كان فى رجوعه بالعسكر الذى كان صحبته من المشقة عليه وعليهم .

والخبر لم يرد بالأمر بالرجوع ، وإنما ورد بالنهى عن القدوم أو الإقدام ، على ما جاء في لفظ الخبر ، من أنه ولا تقذموا و لا تقدموا - ثلاثا أو رباعيا فاحتمل أن ندمه إنما كان [على ] ذلك وقد قال القاضى عياض ، لما ذكر اختلاف الصحابة من المهاجرين والأنصار فى الرجوع : حجة كل من الطائفتين بينة ، لأنها مبنية على أصلين من أصول الشريعة .

الأول : التوكل والتسليم للقضاء والقدر والثاني : الحيطة والحذر بترك الإلقاء إلى التهلكة وهما فرعان متشعبان من أصل قاعدة والقدرا . وقد قيل : إن رجوع عمر إنما كان للحديث ، لأنه لم يكن ليرجع إلى رأى دون رأى بغير حجة [مرجحة] وقد قذمته قبيل هذا نعم ، قد ورد عن غير عمر التصريح بالعمل بمحض التوكل ، فأخرج ابن خزيمة بسند صحيح إلى هشام بن عروة عن أبيه ، أن الزبير بن العوام رضى الله عنه خرج غازيا نحو مصر فكتب إليه أمراء مصر أن الأرض قد وقع بها الطاعون ، فلا تدخلها فقال الزبير: إنما خرجت للطعن والطاعون . فدخلها ، فلقى طغنا في جبهته ، فأقرق.

وسنده صحيح على شرط البخارى .

وقوله : وفأفرقه: أبى أفاق من مرضه ذكره أبو موسى المديني في ذيل الغربين له . وقال / أبو مجلز التابعى المشهور: لما وقع الطاعون بالبصرة وارتفع ، عذوا من أفرق منه ، فكانت جملتهم كذا قال أبو موسى : [أى] برىة من الطاعون . قال: ويقال: إن ذلك إنما يقال لمن برىء من علة لا تصيب الإنسان غالبا إلا مرة واحدة ، كالجدرى، والله أعلم قلت : أثر أبى فجلز المذكور ، أخرجه ابن أبى الدنيا في وكتاب المرض والكفارات ، من طريق عمران بن خذير قال : كان أبو مجلز يقول ن لا يحذث المبريض إلا بما يعجبه ، فإنه كأن يأتينى وأنا مطعون ، فيقول : عغذوا النوم في الحى كذا وكذا ممن أقرق . وعدوك فيهم . قال: فأفرح بذلك . سنده صحيح تنبيه ، قد يعارض هذا الأثر عن الزبير ، ما أخرجه البيهقن بسند حسن أيضاء عن هشام بن عروة، عن أبيه قال : أقبلت إلى الزبير [يوما وأنا غلام ، وعنده رجل أبرض ، فأردت أن أمسه ، فأشار إلى الزبي] .

فأمرنى أن أنصرف ، كراهة أن أمسه .

قلت . ولا معارضة بينهما على ما تقدم ، بل إقدام الزبير من قوة إيمانه وشدة يقينه ، ومنع ابنه الصغير من مس الأبرض ، خشية أن يقذر الله عليه أن يصيبه ذلك ، فيظن لعدم توسعه في العلم أنه من المس ، فيعتقد العدوى المنهى عن اعتقادها . وسيأاتى بسط ذلك في الأمر الثالث .

الأمر الثاني قال تاج الدين السبكى : احتجوا أيضا بالقياس على الفرار من الأسد والعدو الذى لا يقدر على دفعه، فإن الكفار وقطاع الطرق إذا قصدوا من لا طاقة له بهم ، جاز التنحى من بين أيديهم . ونقل فيه أبو الحسن الكيا الهراسى - من الشافعية - الاتفاق فقال : لا تعلم خلافا في الجوان ، وإن كانت الأجال لا تزيد ولا تنقص والجواب: أن القياس على الفرار من الأسد والعدو ضعيف فإن السلامة منهما نادرة والهلاك معهما كالمتيقن، فصار كإلقاء الإنسان نفسه فى النار: بخلاف الفرار من البلد الذى يقع به الطاعون ، فإن السلامة منه كثيرة وإن لم تكن غالبة.

قلت : وعلى تقدير تسليم القياس المذكور ، فهو قياس مع وجود الفارق ، فإن مسالة الوقوف للأسد إلى أن يفترسه ، داخلة فى النهي عن الإلقاء إلى الهلاك، ومسالة الفرار جاء النهي الصريح عنها ، فكيف يستويان .

الأمر الثالث .

القياس على الخروج من الأرض المستوخمة كقصة العرنيين والجواب: أن ذلك من بابب التداوى ، وترك ما لا يوافق المريض من الأغذية ، إذ لا فرق بين الأغدية والأهوية في تأثير المرض ، فكان الخروج من الأرض التى لا توافق مزاج المريض من باب التداوى قال القاضى تاج الدين : وعندى في هذا الجواب نظر قلت.

بذل الماعون في فضل الطاعون · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بذل الماعون في فضل الطاعونص ٥٦