
واعلم ان هفوة الصديق ان كانت في دينه بارتكاب معصية او اصرار عليها فعليك التلطف في نصحه وحمله على التوبة والورع، فان لم تقدر وبقي مصرا فقد اختلف في ادامة حق مودته او مقاطعته، فذهب أبو ذر (22) رضي الله عنه الى الانقطاع، وقال : اذا انقلب اخوك عما كان عليه فابغضه من حيث احببته، وان ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض في الله، وذهب أبو الدرداء (23) وجماعة من الصحابة الى خلاف ذلك، قال أبو الدرداء : اذا تغير اخوك وحال عما كان فلا تدعه لاجل ذلك، فان أخاك يعوج مرة ويستقيم اخرى، وقال النخعي (24) : لا تقطع اخاك ولا تهجره عند الذنب فانه يرتكبه اليوم ويتركه غدا.
حكى عن اخوين من السلف انقلب احدهما من الاستقامة فقيل لاخيه : الا تقطعه وتهجره ؟ فقال : احوج ما كان الي في هذا الوقت لما وقع في عترته ان آخذ بيده واتلطف به في المعاتبة، وادعو له بالعود الى ما كان عليه، وآخر طوى أربعين يوما يبتهل لاخيه حتى عوفي من شهوة كبيرة اصابها (25)، فعظم اهتمامك وانصحه سرا فقط .
قال الغزالي : هذه طريقة قوم وهي الطف وافقه من طريقة أبي ذر، وطريقته احسن واسلم اما كونها الطف فلما فيها من الرفق والاستمالة والتعطف المفضي (26) الى الرجوع والتوبة، واما كونها أفقه، فمن حيث ان الاخوة عقد ينزل منزلة القرابة، فاذا انعقدت تأكد الحق، ووجب الوفاء بموجبها فلا يهمل ايام حياته وفقره، وفقر الدين اشد من فقر المال، والاخوة عدة للنائبات وهذا من اشدها (27).