
وأما الصدق فلا تصحب كذابا، فانك منه على غرور، وهو مثل السراب، يقرب منك البعيد، ويبعد عنك القريب، قال تعالى : «انما يفتري الكذب الذين لا يومنون بآيات الله.»، (29) وفي الحديث «أيكون المومن كذابا، ؟ قال لا» (30)، وقيل صدق اللسان، أول سعادة الانسان، وقيل من قل صدقه، قل صديقه، ولبعضهم : وما شىء اذا فكرت فيه بأذهب للمروؤة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه وأبعد بالبهاء من الرجال
فالكذاب لا يوثق بصحبته، فقد يكذب في ادعاء الصحبة، ويكون ذا (31) وجهين، (وذو الوجهين) (32) لا يكون عند الله وجيها اذ المراد من الصاحب أن يكون ثابت العهد، غير ملول، ولا متلون، وان يكون سالم الصدر في الحضور والغيبة، لا حسودا ولا حقودا، فلا يظهر من نفسه المودة ظاهرا وهو منطو على غير ذلك، ولعل شرط الصدق يشمل هذا كله ولهذا اقتصر عليه من عد الشروط خمسة، ولعله يشمل أيضا قولهم وأن يقوم بحقوقك كما تقوم بحقوقه، اذ لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له، لانه كاذب في ادعاء الصحبة، ولعله يشمل أيضا كونه نصوحا أمينا، فمن لم يكن ناصحا أمينا بل غاشا خائنا، فليس بصادق في ادعاء الصحبة، وقد تتداخل بعض هذه الشروط فعد الصلاح من الشروط يشمل هذه كلها، اذ الصلاح يستلزمها والله اعلم .
قال السيد البلالي : فالكذوب والاحمق والسيء الخلق الذي لا يملك نفسه في غضب ولا شهوة، والفاسق والبخيل والحريص وصبيان ونساء، فكل منهم يومن شره، ولا يرجى خيره غالبا، وسر فساد الخلق، من صحبة الاغيار، اصحب من يزينك ويعينك ولا يشينك، صحبة الاغيار يرجع وحشة وقطيعة، الاخوان ثلاثة : أخ للآخرة، وأخ للدنيا، وأخ للتأنس به، وترعى السلامة من شره، فالاول كالغذاء لا يستغنى عنه، والثاني كالدواء يحتاج اليه في كل وقت، والثالث كالداء قد تبتلي به فتجب مداواته الى الخلاص منه .