 ان التواخى فضله لا ينكر وإن خلا من شرطه لا يشكر فالشرط فيه ان تواخي العارفا عن الحظوظ واللحوظ صارفا مقاله وحاله سيان مادعوا إلا الى الرحمن أنواره دائمة السراية فيه وقد حفت بك الرعاية فهذه فائدة التواخي فلا يكن منك بها تراخي وقاصد الفاقد هذا الشرطا بصحبة يعقدها قد أخطا لكونه يرى بها محاسنه فنفسه ذات اغترار آمنة
وأما الزهد في الدنيا، وعدم الحرص عليها : فصحبة الحريص سم قاتل، لان الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بالطبع، لانه يسترق من الطبع من حيث لا يدري، فمجالسة الحريص تزيد في الحرص لا محالة ومجالسة الزاهد، تزهد في الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا وتستحب صحبة الراغبين في الاخرة، الذين يحبون الفقراء ويجالسونهم، اذ لا خفاء في ذم الدنيا، فقد جاء بذلك الكتاب والسنة، وكفى أنها «لعب ولهو وزينة» (23) ودار الغرور، وفي الصحيح «يهرم ابن آدم وتشب منه خصلتان : الحرص وطول الامل»، (24) وصح في الترمذي ما ذييان جائعان أرسلا في غنم بافسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه، (25) قال الشعبي (26) «وجدت البلايا إنما يسوقها الى أهلها الحرص والشره، فالقناعة نجاة وحرية وصيانة وعز وراحة وفراغ (27) والحريص لا يدرك ما لم يقدر له .
ومن علامات الزهد، اخفاؤه، وعدم فرحه (28) بموجود، وحزنه على مفقود وطلبه، وبذل ما عدا ضروراته، واستواء مادحه وذامه عنده، وغلبة أنسه بالله تعالى، وحلاوة طاعته، قال البلالي : وله ادخار قوت سنة قال : ولا يضره حاله كما له كثرة مال وجاه ونحوهما، كحال السلف ولا تجتمع محبة الله والدنيا لاحد البتة، انتهى كلامه رضي الله عنه .