تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في حقيقة الرؤيا فقال فيها غير الإسلامين أقاويل كثيرة منكرة لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل ولا يقوم عليها برهان وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت لذلك مقالاتهم فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط ويقول من غلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء أو ما شابهه لمناسبة الماء في طبيعته طبيعة البلغم ومن غلب عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وشبهه لمناسبة النار طبيعة الصفراء ولأن خفتها وإنفاذها تخيل إليه الطيران في الجو والصعود في العلو وهكذا يصنعون في بقية الأخلاط وهذا مذهب و إن جوزه العقل وامكن عندنا أن يجري البادي جلت قدرته العادة بأن يخلق مثل ما قالوا عند غلبة هذه الأخلاط فإنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتبار واما إن أضافوا الفعل إليها فإنا نقطع بخطئهم ولا نجوز ما قالوه إذ لا فاعل إلا الله تعالى ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا وكأنه يرى أن صور ما يجري في العالم العلوي كالمنقوش وكأنه يدور بدوران الأكر فما حاذى بعض النفوس منه انتقش فيها وهذا أوضح فسادا من الأول مع كونه تحكما بما لم يقم عليه برهان والانتقاش من صفات الأجسام وكثيرا ما تجري في العالم والأعراض لا تنتقش ولا ينتقش فيها والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة وهو أن الله سبحانه وتعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ولا يمنع من فعله نوم ولا يقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه سبحانه جعلها علما على أمور أخر يخلقها في ثاني حال أو كان خلقها فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد امرا على خلاف ما هو عليه علما وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرا على خلاف ما هو عليه فيكون ذلك الإعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر والجميع خلق الله ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بحضرة الملك أو بغير حضرة الشيطان ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضره بحضرة الشيطان فينسب إليه مجازا واتساعا هذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم الرؤيا من الله عز وجل والحلم من الشيطان لا على أن الشيطان يفعل شيئا في غيره وتكون الرؤيا

آكام المرجان · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

آكام المرجانص ٢٤٣