كحال غيره من المتحدثين ، ( وليس صنف من الناس إلا وله حشو وشوْب ) [6] .
ولكن خطأ الخطيب يكون على رؤوس المنابر يسمعه الناس كبيرهم وصغيرهم ،
وقد يطير خطؤه في الآفاق . وبعض أصحاب النفوس المريضة يكون همه أن
يتصيد العثرات ، ويتسقَّط الزلات ، وتكون فاكهته التي يتندر بها ويفرح ، ولهذا قال
عمر بن الخطاب : ( ما كانت على أحد نعمة إلا كان لها حاسد ، ولو كان الرجل
أقوم من القدح لوجد له غامزاً ) [7] . ولمَّا قال رجل للحسن البصري : يا أبا سعيد ! إنَّ هاهنا قوماً يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك ! فقال الحسن : ( يا هذا !
إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت ، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت ، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع ، إني لمَّا رأيت الناس لا يرضون
عن خالقهم علمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم ) [8] .
إنَّ على من يتصدر لمخاطبة الناس أن يعتني بما يصدر عنه اعتناءاً شديداً ،
وينتقي عباراته انتقاءاً دقيقاً ، ويحرص حرصاً كبيراً على أن يخرج كلامه بدقة
وإتقان ، حتى ينفع سامعيه ويسد - قدر الطاقة - منافذ الهوى عند بعض الناس ،
ومع ذلك كله لن يسلم أحد من الخطأ مهما بلغ حرصه ، ويعجبني المتحدث الذي
يملك الجرأة والشجاعة على مراجعة أقواله ، ويوضح ما استشكله الناس عليه ،
ويعترف بخطئه إن كان ثمة خطأ .
(1) مجلة الرسالة العدد (94) محرم 1354هـ .
(2) أخرجه : الترمذي في الزهد (4/508) رقم (2376) ، وقال حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (5496) .
(3) شرح حديث أبي ذر (ص25) ، وانظر : رسالة في التوبة ضمن جامع الرسائل (1/ 233) .
(4) الفتاوي (10/215) .
(5) مجلة الرسالة العدد (84) ذو القعدة 1353هـ .
(6) تأويل مختلف الحديث (ص54) .
(7) بهجة المجالس وأنس المجالس ، لابن عبد البر القرطبي (1/406) .
(8) تبيين كذب المفتري ، لابن عساكر (ص422) .
وقفات
كيف نخاطب الجماهير .. ؟
(2-2)