أحمد بن عبد الرحمن الصويان
ذكرتُ في الحلقة الماضية ضرورة إعادة النظر في خطابنا الجماهيري ،
وأثرت أربعة أمور ، هي : (الإيمان بالهدف) ، و (الحذر من الخيلاء وحب
الرياسة) ، و (الحذر من الانسياق الأعمى خلف العامة) ، و (الدقة في الخطاب) ،
وفي هذه الحلقة أنبه إلى أمور أخرى إتماماً للموضوع :
خامساً : الحذر من التعلق بالأشخاص :
من الآفات المزمنة التي تظهر عند كثير من الجماهير ؛ سواء أكان ذلك على
المستوى الفكري أم الدعوي أم الاجتماعي أم الفقهي ... ونحوها : التعلق بالرموز
والانكفاء عليها ، والشعور بأن هؤلاء وحدهم القادرون على إحياء الأمة والنهوض
بها من كبوتها ، فإذا عجز هؤلاء أو حبسهم العذر أصيب الناس بالإحباط ، وثارت
في كوامنهم دواعي العجز والحيرة ، ويؤدي التعلق بالأشخاص أحياناً إلى ازدراء
مصلحين آخرين ربما لا يقلون عن غيرهم أصالة وفهماً وقدرة ، وقد يؤدي هذا
التعلق إلى طمر الإمكانات الكامنة في بقية الأفراد ، أو عدم استغلال الفرص
السانحة لهم .
وقد يُرسِّخ هذا المفهوم بعض هؤلاء الرموز ، ويدفع الناس إلى تقليده
وتعظيمه ، بلسان المقال حيناً ، وبلسان الحال أحياناً أخرى . والتقليد قاصمة من
القواصم التي تقتل كل ملكات الإبداع والتفكير ، وتحول الجماهير إلى مجرَّد قطعان
هائمة يسوقها الراعي ذات اليمين وذات الشمال ، وهي تستجيب له بكل دعة
وخنوع . والنجاح الحقيقي للمصلحين ليس بالقدرة على أن يصرفوا وجوه الناس
إليهم فحسب ، بل بالقدرة على إحيائهم واستنبات البصيرة في عقولهم ؛ فمن تبعهم
تبعهم بحجة وبرهان ، ولذا فإن الواجب على هؤلاء المصلحين أن يرسخوا ضرورة
ارتباط الناس بالمنهج الصحيح وليس بذواتهم .
سادساً : وضوح الرؤية :
تتم مخاطبة الجماهير عند بعض المصلحين بطريقة تلقائية رتيبة ؛ حيث لا
توجد لديهم رؤية واضحة ، ولا يدرون خلالها ما الأهداف ذات المدى البعيد التي