فإن ذلك يقترن - ولا بد - بكمٍّ من الصعوبات والمعوقات - تنبعث من تعقد النفس
البشرية وتردِّي الظروف المحيطة - تحتاج من المربي أن يعالج نفسه بالصبر ليقدر
على مواصلة الجهد - وبالمستوى نفسه إن لم يكن أرقى - وإن من أهم الوسائل
التي تُعين المربي على التصبر أن يتذكر دائماً اقتران الأجر الأوفى بالصبر ، وكذا
اقتران النتائج الكبيرة به أيضاً ، كما يتذكر أن الله - سبحانه وتعالى - قد ذكر على
لسان نبيه أن أحب العمل إليه ما استمر عليه صاحبه ولم يقطعه وصبر عليه وإن
قلَّ ؛ لأنه بذلك تزداد احتمالات الوصول للأهداف الموضوعة لهذا العمل : ?
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك
عنهم ... ? [الكهف : 28] .
وليتأمل المربي في واقعنا العام والعمل الإسلامي على وجه الخصوص ، ليجد
هناك ظاهرة فوضوية تشوب الكثير من أعمالنا ، وهي ظاهرة أحجار الأساس ؛
حيث نكتفي في أعمالنا بوضع حجر الأساس ولا بأس بحجر آخر أو حجرين معه -
ونعتبر ذلك إنجازاً - .
إنها ظاهرة الأعمال المبتورة التي لا تكتمل ؛ ولو أجرينا إحصاءاً لمرات البدء
في الأعمال المختلفة في ميدان العمل الإسلامي ثم أحصينا كم من الأعمال بلغت
منتصف الطريق ، ثم تفقدنا الأعمال التي بلغت نهايتها المرجوة أو كادت ، فكم يا
تُرى يكون حجم التفاوت العددي في الحالات الثلاث ؟ !
فالمربي يحتاج إذن إلى الصبر وإلى مجاهدة النفس عليه في مجالات كثيرة ،
أهمها : الصبر على البذل والتضحية .
والمربي يحتاج إلى مداومة البذل والصبر عليه ، البذل من وقته وراحته وبيته
وماله ، وقد سبق كيف كان السلف ينفقون من أموالهم على تلاميذهم - خاصة
النجباء منهم - وعدم تضجرهم من ذلك إن استطاعوا .
وقال محمد بن سلام - شيخ البخاري - " أنفقت في طلب العلم أربعين ألفاً ،
وأنفقت في نشره أربعين ألفاً " ، ومثل هذا - ولا شك - يحدث كثيراً في عصرنا
ولكن بقلب " أنفقت " إلى " جمعت " .