فادفعه إليَّ ؛ فإن الناس لو كان إذا كَبُر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا [3] .
ولذلك ؛ فمهمة الصورة المثالية إذن : العلاج من الانحرافات على ضوئها ،
وكذلك هي التي تشجعنا على الصعود أولاً ، ثم على العودة إلى الصعود بعد كل
انتكاس ، ومن هنا يلتقي الواقع بالمثال [4] .
أما الاتجاه الثاني الذي يتبنى شعار : ( الجُود بالموجود ) فيفوته أن اعتبار
احتياجات العمل الدعوي مع الإعراض عن كفاءة المربي وصلاحيته خلل في
التصور يتبعه خلل في العمل ؛ إذ إن إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية
مهلكة لهم ، فوق أنها مضيعة للعمل .
وهنا يأتي السؤال : إذا كان النموذج المثالي استرشادياً ، والنموذج الواقعي
المنفتح لا يصلح للاسترشاد أو البدء به ، فماذا نفعل ؟
والجواب : أنه يلزمنا تحديد نموذج معتدل معياري للمربي يتوفر فيه أمران :
الأول : صفات أساسية هي من لوازم عمل المربي تحديداً .
الثاني : أن تتحقق هذه الصفات في المربي بمستوى معين - يختلف باختلاف
الظروف والبيئة الدعوية - يمثل الحد الأدنى الذي يفصل بين اختلال عمل المربي ، وبين عروجه على طريق الرشد التربوي ، وبمعنى آخر يفصل بين النموذج
الانفتاحي وبين النموذج المعتدل .
وينبغي ألا تُسند للداعية أي مسؤوليات تربوية قبل موافقة حاله لهذا النموذج - وفق حده الأدنى - وإنما يحكم بذلك أهل العلم والخبرة بهذا الأمر ، كما قرر
الإمام مالك - رحمه الله - : ( لا ينبغي للرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من
كان أعلم منه ) [5] ، ثم يأتي بعده التفاعل والارتقاء مع الهمة الذاتية واكتساب
الخبرة والتمرس في العمل التربوي .
والآن نصل إلى الكلام عن صفات المربي : وتجدر الإشارة هنا إلى الاعتماد
على الأسلوب التحليلي في هذه الدراسة مع تجاوز اقتصار كتابات سابقة كثيرة على
ذكر فضل الصفات وأهميتها ، نتجاوز ذلك إلى تحديدٍ أدق لمعنى تلك الصفات