فإذا كان الدور يتطلب رجلاً قيادياً - في المقام الأول - كان له رجاله أيضاً ،
مثل اختياره عمرو بن العاص وأبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهما - لقيادة
بعض السرايا ، ونعرف أيضاً أن الدور القيادي ظل ألصق الأدوار بهما .
3 - المربي بين التساهل والمبالغة :
هناك اتجاهان في انتقاء الشخصيات المربية :
الأول : يقوم على المبالغة في تحديد الصفات الخاصة بالمربي ، ولزوم تحققها
فيه بمستويات عالية ، فتغلب عليه المثالية في تصور حال المربي ؛ بحيث ينتهي
الأمر عند مطابقة هذه المواصفات واقعياً إلى أنه يكاد ألاَّ يكون هناك تربية ولا
مربون ، وإنما هو العبث وسد الخانات ، ثم تبقى هذه المواصفات المثالية طي
الأوراق بعيدة عن محاولة تحقيقها اكتفاءً بآهات الحسرة .
الثاني : يقوم على التساهل في صفات المربي ؛ بحيث تتسع الدائرة لتشمل
أعداداً كبيرة لا يمثل الانتقاء معها مشكلة ، ودافع ذلك الاتجاه تغليب احتياجات
الدعوة وتبعات انتشارها وانفتاحها دون اعتبار حقيقي لحال المُنتقى .
وكلا الاتجاهين لا يصلح منطلقاً لمعيار معتدل للمربي .
فالاتجاه الأول يتجاهل أن ( المثاليات تتفرق في نفوس شتى ، ولا تجتمع في
نفس واحدة كل المثاليات ) [1] ، ولا يجتمع أغلبها إلا في نفوس معدودة و ( إنما
الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) [2] كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام - فربْط العمل التربوي بذلك تعطيل له ، وإعاقة لجهود الارتقاء به ، ومدعاة لكل
من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية أن يتراجع ويترك العمل ، وهذا ما حذرنا منه
عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد - رحمه الله - إذ لما استَعْمَل على الجزيرة
وعلى قضائها وخراجها ميمونَ بن مهران - رحمه الله - صعب على ميمون أن
يحاكي الوضع المثالي هناك ، فكتب إلى عمر يستعفيه : كلفتني ما لا أطيق . فكتب
إليه عمر : اجْبِ من الخراج الطيب ، واقضِ بما استبان لك ، فإذا التبس عليك أمر