أما رسول الله ؛ فقد كانت الحكمة تجري على لسانه كالماء الزلال ، وأفعاله -
صلى الله عليه وسلم- كلها هي عين الحكمة ، ويكفي ذكر إشارات لبعضها ، لتنبئ
عن البعض الآخر ، ومن ذلك :
1- حكمته في تعامله مع أصحابه ، ومراعاته لأحوالهم ، وهذا أشهر من أن
يذكر له أمثلة .
2- إجابته للسائلين بإجابات يظهر أنها مختلفة متعارضة أحياناً بينما هي من
اختلاف التنوع ، لمراعاة حال السائلين ؛ لاختلاف قدراتهم وإمكاناتهم ، ولو أن
الدعاة استطاعوا أن يكلفوا كل إنسان بما يحسنه من فروض الكفايات ، ويبتعد عما
لا يستطيع لحققت الأمة اكتفاء ذاتياً في أغلب مجالاتها .
3- موقفه من الشاب الذي جاء يستأذنه بالزنا ، فلم يعنفه ، بل ناقشه ، ثم دعا
له ، فانصرف بحال غير التي أتى بها .
4- موقفه يوم الحديبية حين رفض سهيل بن عمرو أن يكتب : (بسم الله
الرحمن الرحيم ، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) ، وقال للكاتب : اكتب :
(باسمك اللهم ، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) ، فلم يقف النبي -صلى الله
عليه وسلم- عند هذه المسألة ما دام في الصلح خير لمصلحة المسلمين ، رغم رفض
المسلمين لذلك .
ولا يعني هذا أن يكون التنازل في كل موقف ، كما يتوهمه بعض من غلب
على مواقفهم الانهزاميةُ ، ويحتجون بصلح الحديبية ، بل هناك أمور وقضايا لا
يُقبل التنازل فيها أبداً ؛ فقد رفض -صلى الله عليه وسلم- طلب وفد ثقيف أن يترك
لهم اللات شهراً واحداً ، وأبو بكر رفض إقرار المرتدين على ترك الزكاة ، وقاتلهم
عليها .
5- علاج مشكلة المنافقين : وقد اتسم علاجها بعدة سمات من أبرزها :
- طول صبره عليهم ، من الهجرة حتى قبيل وفاته .
- التفصيل في التحذير منهم وتكثيف الحديث في تلك القضية وفق نهج
القرآن ، حيث لا يقاربها قضية أخرى إلا قضية الشرك والمشركين وأهل الكتاب .
- الحرص على وحدة الصف ، مع عدم السكوت على الباطل ، وقد تحقق
الأمران .