لإخلاصه وبعده عن الرياء ، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة ،
وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر ؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم :
? وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً ? [الفرقان : 74] أي : أئمة هدى يقتدى بأفعالهم ، وهذا
لشدة محبتهم لله ، وتعظيمهم لأمره ، ونصحهم له ، ليكون الدين كله لله ، وليكون
العباد ممتثلين لأمره .
وقال سبحانه وتعالى قاصاً كلام يوسف عليه السلام : ? قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى
خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ? [يوسف : 55] ، وليس ذلك حرصاً منه على
الولاية ، وإنما هو رغبة في النفع العام ، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة
والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه ، فقصده إصلاح أموال الناس ، وهو جزء من رسالة
الداعية إلى الله ، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلباً لمرضاة الله تعالى ، وليس
قصده إرواء غليله ، وإرضاء شهوته في الزعامة ؛ فالضابط فيها هي النية
والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة .
فبالجملة : هاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل ، بل قد ينبغي
له طلب هذه الوظيفة الشريفة ، بل قد تتعين عليه للمصلحة . والأدلة والأقوال
المحذرة لا تنطبق على داعية تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق ، حتى لو اشتهر
وعرف فلا بأس [13] . ويجب التنبيه إلى أن هذا الأمر مزلق ؛ لالتباس النية فيه
كثيراً ، وصعوبة تمحيص القصد ، وذلك علمه إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما
تخفي الصدور : ? وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ? [ آل عمران : 30]
الكشف عن القدرات :
كون بعض الدعاة لا يصلح للإمارة لا يعني إخفاقه وضعفه في كل شيء ، بل
إن غاية الأمر أنه لم يؤت قدرة في هذا الجانب ، وقد يكون لديه من القدرات
والإمكانات في العلم والعمل ما يفوق ما عند غيره ممن أُهل للإمارة مثلاً ، وهذه