الناس منهم ، حتى أفضى الأمر إلى نزاعات وخلافات ومفاسد وفتن كثيرة ، وأدى
كثير منها إلى سقوط بعض الدول ، كسقوط الأندلس وغيرها .
لكن الغريب أن يتسلل هذا الداء إلى داخل التجمعات الدعوية ، ويسيطر على
بعض النفوس المريضة ، شعرت أم لم تشعر ، حتى يصير همّ الواحد منهم أن يسود
على بضعة أفراد ، دون التفكير بتوابع ذلك وخطورته ، وأنها أمانة ، ويوم القيامة
خزي وندامة [1] .
التطلع للإمارة في ضوء النصوص الشرعية :
إن الحرص على الإمارة يفسد دين المرء الحريص عليها ، ويضيع نصيبه في
الآخرة ، ويجعله شخصاً غير صالح لهذا المنصب ، وتوضيح ذلك كما يلي :
أولاً : تحذير النبي-صلى الله عليه وسلم- من عواقب التطلع إلى الإمارة :
قال : (ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على الشرف
والمال لدينه) [2] .
فبين أن الفساد الحاصل للعبد من جراء حرصه على المال والشرف : أشد من
الفساد الحاصل للغنم التي غاب عنها رعاتها ليلاً ، وأُرسل فيها ذئبان جائعان
يفترسان ويأكلان ، وإذا كان لا ينجو من الغنم إلا القليل منها ؛ فإن الحريص على
المال والشرف لا يكاد يسلم له دينه .
ثانياً : بيان طرق الناس في طلب الجاه : للناس في طلب الجاه طريقان ، هما:
الطريق الأول : طلبه بالولاية والسلطان وبذل المال ، وهو خطير جداً ، وفي
الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها ؛ فإن الله جعل الآخرة لعباده المتواضعين ، فقال :
? تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ ? [القصص : 83] فنفى عنهم مجرد الإرادة ، فضلاً عن العمل والسعي
والحرص لأجلها ، فإن إرادتهم مصروفة إلى الله عز وجل ، وقصدهم الدار الآخرة ، وحالهم التواضع مع الله تعالى والانقياد للحق والعمل الصالح ، وهم الذين لهم
الفلاح والفوز . ودلت الآية على أن الذين يريدون العلو في الأرض والفساد ليس