يدربهم عليها هذا التدريب ، وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم
الدهش والذهول » .
ويضيف قائلاً : « والمسلم الذي يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد
كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيراً ،
الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة ، وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه
بظهره ، والنبل يقع عليه ولا يتحرك ، ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه
ويستشهدون واحداً إثر واحد ، وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان
يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم وبكل مشاعرهم حتى ليأخذهم الوجد من
مجرد ذكره صلى الله عليه وسلم ، هذا المسلم الذي يحب محمداً ذلك الحب مطلوب
منه أن يفرق بين شخص محمد صلى الله عليه وسلم والعقيدة التي أبلغها وتركها
للناس من بعده باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت ؛ إنَّ الدعوة أقدم من
الداعية » .
وكما كان القرآن يربي الصحابة والأمة من بعدهم على التعلق بالمنهج وذم
التعلق بالأشخاص ، كذلك كان صلى الله عليه وسلم هذا منهجه ، ومنهج كل من دعا
إلى الله على بصيرة ، وإليك بعض النماذج :
1 - عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعَظنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم موعظة وَجِلَتْ منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول
الله ! كأنها موعظة مودع ، فأوصنا ! قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ،
وإن تأمَّر عليكم عبدٌ ، وإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ؛ فعليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ ، وإيَّاكم ومحدثات
الأمور ؛ فإنَّ كل بدعة ضلالة » [1] .
الشاهد قوله : « كأنها موعظة مودع » ، « فعليكم بسنتي » فربما كان قد وقع
منه صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع ، وأنه مغادر الحياة ،
فأوصاهم بالتعلق بسنته بعده ، وقول الصحابة : « فأوصنا » فيه أنهم لما فهموا أنه