وحين ساق قول محمد بن مصعب العابد : « لَسَوْطٌ ضربه أحمد بن حنبل في
الله ؛ أكبر من أيام بشر بن الحارث » ، علق الذهبي عليه بقوله : « بِشر عظيم
القدر كأحمد ، ولا ندري وزن الأعمال ، إنما الله يعلم ذلك » [29] ، وعد من المبالغة
في الرأي قول يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي رحمه الله : « لو جمعت أمة
لوسعهم عقله » [30] ! ! ، وأنكر ما روي من أن عدد من يحضر مجالس الوعظ التي
يعقدها ابن الجوزي مئة ألف ، فقال : « لا ريب أن هذا ما وقع ، ولو وقع لما قدر
أن يُسمعهم ولا المكان يسعهم » [31] .
7 - أن بعضاً منها يحتمل أن يكون خطأ في الرواية ، وسَبْقَ قلم ، نحو ما
ذكره ابن النجار في تاريخه أن عدد من أقرأهم أبو منصور الخياط من العميان بلغ
سبعين ألفاً ! قال الذهبي : « هذا مستحيل ؛ والظاهر أنه أراد أن يكتب : نفساً .
فسبقه القلم فخط ألفاً ، ومن لقن القرآن لسبعين ضريراً فقد عمل خيراً كثيراً » [32] .
وربما كان الخبر غير صحيح روايةً مع ما له من الشهرة نحو ما جاء في
ترجمة ( ربيعة الرأي ) شيخ الإمام مالك ، وهو أن أمه كانت تقوم على تربيته
وتعليمه وتنفق عليه مما خلفه عندها زوجها فرّوخ ، وكان ثلاثين ألفاً ... إلخ
الخبر [33] ، قال الحافظ الذهبي : « حكاية معجبة ، ولكنها مكذوبة ! ! » ثم ساق
أوجه ردها بالنظر في المتن [34] ، وطعن في إسنادها العلامة عبد الرحمن
المعلمي ، وانتهى إلى الحكم باختلاقها [35] ، قلت : وهي قصة مشهورة ، تحمل
معاني تربوية رائدة ، ولكن .... ! !
فهذه ملاحظات مما يرد على بعض تلك الأخبار ( المثالية ) ، كما يرد على
غيرها ، لكن المصلحة من إشاعتها مضافاً إليها تلك الملاحظات أو بعضها مرجوحة ،
وما أردت استقصاء الاحتمالات ولا تتبع القصص ، ولكن حسبي أن أنبه إلى
مثال جديد من أمثلة مراعاة المصلحة والمفسدة ، وأن درء المفاسد مقدم على جلب