التاريخ يعيد نفسه ، فقد كان الطرح الإسلامي قبل عدد من العقود هو محاربة
المجلات والإذاعات والتلفاز بعموم ، أما اليوم وبعد أن صارت تلك المستحدثات
واقعاً مفروضاً ، ووجدت بدائل إسلامية ، صار الطرح مختلفاً ؛ فليس كل المجلات
تحارَب لأن هناك مجلات إسلامية نافعة ، وليس كل الإذاعات سيئة ؛ لأن هناك
إذاعات مفيدة وتخدم الدين ، وليس التلفاز بعمومه حراماً ؛ لأنه قد يحوي برامج
إسلامية جيدة ومفيدة ، ومع أن هذا يمثل اليوم وعياً ، إلا أنه وعي متأخر ينطبق
عليه المثل الذي يقول : « حكيم بعد الحادث » .
لعل من أسباب هذا التفسير التآمري غياب التصور الصحيح للخريطة
الأيديولوجية في العالم العربي أثناء القرن الأخير وفي العقود القليلة الماضية ،
وطبيعة المتغيرات التي حصلت ، وطريقة نشوء الأفكار وانتشارها ، وتأثر
الضعيف بالقوي ، واستلاب المغلوب للغالب كما وصفه ابن خلدون في المقدمة الذي
ساهم في تشكيل جيل يحمل مبادئ الغالب شرقياً كان أم غربياً ، لا بطريقة تآمرية
نفاقية بل بقناعة حقيقية تنتج أحياناً عن إخلاص وصدق وحب للمجتمع والأمة ،
وإن كان ظل بهذا السبيل ، بل ربما كانت هذه المبادئ والأيديولوجيات نتاج البيئة
العربية المحضة في إحدى مراحل الضعف ، كما هو الحال بالنسبة للقومية العربية
والبعث العربي ، اللذين يقومان في أساسهما على بث الروح العربية الوحدوية في
أرجاء العالم العربي .
إننا نضيع وقتاً في الانشغال المستمر في محاولة تقصي المؤامرات والتصدي
لها وفضحها ، مما قد يسبب ضياع كثير من الجهود على حساب بنائنا الداخلي
وتكوينه الثقافي الذي يجب أن يعد لمواجهة متغير لا يكاد يتوقف ، وزرع الوعي
المبكر في عقول الأجيال ، ومد الجسور بوعي وبصيرة لأقرب التوجهات
والأيديولوجيات المعاصرة ، وبناء تحالفات تكتيكية لخدمة الأهداف المشتركة .
وفي آخر هذه السطور التي لا تعدو أن تكون إشارات مقتضبة لقضايا تحتاج الكثير