تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الظواهر المعقدة ، وتوليد الأفكار ، والقدرة على الفرز والنقد ، فهذه الدائرة لا قيمة

لها ؛ لأنها لا تحوي كمّاً ملموساً نستطيع حسابه ومعرفة قدره .

إن تسليط الأضواء على المعلومات دون الأفكار بات أمراً سائداً في أوساط

الشباب المتدين اليوم ، فأصبح الحفظ وتدوين المسائل ومعرفتها هو أقصر الطرق

للبروز بين الأقران ، بل إن الأمر يتجاوز أوساط الشباب إلى شرائح أكبر سناً

وأكثر نضجاً وتجربة ، ولذلك نجد هذا التلميع للدائرة الأولى على حساب الدائرة

الثانية امتد حتى داخل تخصصات العلوم الشرعية ، فنجد مثلاً أن من يحفظ كتب

السنة الستة قد لا تقارن شهرته وتعلق الشباب به بالمتضلع في أصول الفقه . مع أن

هذا الأخير أكثر قدرة على العطاء للأمة اليوم مع هذه الثورة التقنية والفكرية الهائلة

التي يشهدها العالم ، والتي غيرت كثيراً من طبيعة الحياة وتفاصيلها . وهذا واقع

يدركه كل من عاش بين أوساط الشباب .

ذلك فضلاً عن الإهمال الكبير وربما الازدراء لكتب الفكر حتى الإسلامي منها ،

مما انعكس بدوره على تسطيح كبير للعقول ، حتى صار مصطلح الفكر قرين

السفسطة الفارغة التي لا تكاد تعني شيئاً غير القدرة على الكلام المنمق والمتكلف .

إن الأفكار هي التي تصنع الحضارات ، وتدعمها بوقود لا ينفد للاستمرار والبقاء .

والتاريخ كله يشهد على أن تغيرات العالم هي تغيرات أفكار ومعتقدات ؛ فالثورة

الفرنسية لم تقم رفضاً للتسلط الكنسي فقط ، بل هي في أساسها كانت إرهاصاً لعديد

من الأفكار التي سبقت الثورة بما يزيد عن القرنين ، ولذلك كان شعارها عند قيامها

« الحرية ، والإخاء ، والمساواة » . والشيوعية قامت على فكرة صراع الطبقات

وعلى أساس المادية الجدلية والمادية التاريخية ، والنازية قامت على فكرة تفوق

العرق الألماني على بقية الأعراق والإثنيات .

وتاريخنا الإسلامي مليء بالحركات والتغيرات التي قامت على الأفكار

إعانة الربان · الصفحة ٣٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ٣٤٣