الآخرة على الأولى ، فكانت ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه .
جاء الأنصار في بيعة العقبة يُشارطون الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما
عرفوا شرطَهُ ، تساءلوا : ما لنا ؟ فكان الجواب : « لكم الجنة » .
فتربى على هذا الأمر الجميع والتزموه منهجاً ، فلم تُغْرِهِمُ المغريات ، ولم
تفتنهم المفاتن ، بل ضحُّوا في سبيل ذلك بكل غالٍ ونفيس ، وضربوا في سبيل
الثبات على المبدأ أروع الأمثلة في البذل والعطاء والتضحية .
فهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه أنعم فتى في مكة يهجر كل لذة دنيوية ،
ويبذل كل البذل حتى يتوِّج ذلك بالشهادة في سبيل الله ، ثم لا يُوجد له ما يُكفَّنُ به ،
فيُغَطَّى أسفله بورق الإذخر .
وهذا صهيب رضي الله عنه يترك كل تجارته في سبيل اللحاق بركب
المصطفى صلى الله عليه وسلم مهاجراً ، وهؤلاء الصحابة يحفرون الخندق وقد
ربطوا على بطونهم الحجارة ، وإذا ما شبع أحدهم يوماً وقف مع نفسه وقفة
المحاسبة والعتب والخوف أن تكون حسناته قد عُجِّلتْ له ! !
بل العجب لا ينقضي وأنت تقرأ حديث جابر رضي الله عنه الذي عند مسلم
قال : « سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوت كل رجل منا في كل
يوم تمرة ، فكان يمصها ثم يصرُّها في ثوبه ، وكنا نختبط بقِسِيِّنا ونأكل ، حتى
قرحت أشداقُنا ، فأُقسم أُخْطِئَها رجلٌ منا يوماً فانطلقنا به ننعشه ، فشهدنا أنه لم
يُعطَها فأُعطيها فقام فأخذها » [1] .
فعجباً لأولئك القوم يجاهد أحدهم بنفسه ، ويسعى ليبذل روحه رخيصة في
سبيل الله ، حتى إذا أخطأته تمرة هي كل قوته في يوم كامل لم يكن له أن يأخذ
عوضاً عنها وقد حُمِلَ حملاً من شدة الجوع حتى يقيم البينة على ذلك ! !
فما أحوجنا في زمن المغرِيات ، والملهِيات ، ومع تكاثر من يبيع دينه بعَرَضٍ
من الدنيا قليل ، أن نكون أكثر حرصاً وأدق تمحيصاً للصف ، وأن نعين إخواننا
على تصحيح النوايا وتصويب المقاصد ، ولا ننسى مع ذلك أن الأمر يقضى في