تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانظر رعاك الله إلى أي مدى من الخطورة يُشعِر بها هذا الحديث في الإقامة

بين المشركين والقرب منهم ؛ بل انظر إلى الدقة في الحرص على قطع جميع

العلائق حتى ما كان منها بالاتصال البصري « تراءى نارهما » ذلك أن هذا الأمر

يفضي إلى ما قدمناه من الألفة والأنس به والتطبع على مقاربته ، ويزيل من النفس

الوحشة والنفرة من المشرك ومعاداته على سبيل المسارقة والتدرج ، بل قد يفضي

به إلى مودته لما قد يتصف به من حسن خُلُقٍ وطيب معشر وكرم جوار ، وينبهر

بما لديه من تقنية أو حرفة أو علم فيحبه لذلك ، ولأجل هذا القرب وما تبعه من آثار

غاب عنه منافرة المشرك وبغضه واستشعار حقيقة ? إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ?

( التوبة : 28 ) .

إذا ما علمت هذا تجلت لك الحكمة من قوله صلى الله عليه وسلم : « لا

تراءى نارهما » وما في ذلك من المبالغة في مباعدة المشرك وبغضه ، ولهذا كان

صلى الله عليه وسلم يقرر ذلك في نفوس أصحابه فيقول لجرير بن عبد الله رضي

الله عنه في بيعته ، ويبايعه على « وتفارق المشرك » .

ثم إلى إشراقة أخرى من أنوار الوحي فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه

قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل ،

والسكينة والوقار في أهل الغنم » [13] .

فانظر إلى أثر التقارب على كلا الفريقين . قال صلى الله عليه وسلم من

حديث أبي مسعود رضي الله عنه : « والجفاء وغلظ القلوب في الفدَّادين عند

أصول أذناب الإبل » [14] .

قال الإمام النووي رحمه الله : وقوله : « عند أصول أذناب الإبل » معناه :

الذين لهم جَلَبَةٌ وصياح عند سَوْقهم لها » [15] فما كان هذا حاله من الدواب كان حرياً

بمن يتولى رعيها أن يتصف بالغلظة والجفاء المكتسب من طبع هذه الدواب بخلاف

حال الغنم ؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم هانئ : « اتخذي غنماً ؛

فإنها تروح بخير وتغدو بخير » [16] و قال : « اتخذوا الغنم ؛ فإنها بركة » [17] .

إعانة الربان · الصفحة ٣٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ٣٠٧