تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانظر إلى أثر التقارب في النفوس البشرية وما تقاربت منه وإن كانت لا تحبه ، بل

قد يكون خطيراً عليها .

ألا ترى إلى ساكن البادية قد أَلِفَ المبيت بها بين دوابها وهوامّها . بينما لو

أتينا بساكن المدينة ليبيت ليلة في البادية لكثرت عليه الخواطر : يفزعه كل صوت

يسمعه ، يتخيل دواب الأرض وعقاربها وأفاعيها تحيط به من كل جانب ،

يستحضر قوة سمومها وسرعة نفوذها ، فلا يكتحل طرفه بمنام . فانظر إلى أثر

القرب والبعد عند كلٍ منهما . ساكن البادية لا يجهل أنها إن لدغته تقتله ، وقد لا

يتيسر له الدواء في زمن كافٍ ، ويعلم أنها خطيرة عليه وعلى صغاره الذين

يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم حتى ولو بالهرب عنها . بل كم شيَّع من جنازة

قريب أو صديق كانت هذه الهوامّ سببها ! ولا تعجب فكم من مرة يرى هذه الدواب

ويذهب في شؤونه دون أن يتعرض لها بسوء ! إنه التقارب منها وما يترتب عليه

من طبيعة الإحساس بكل هذه المخاطر ؛ فعينه قد اعتادت رؤيتها ، وأذنه قد ألفت

سماع أصواتها ؛ إنه الإلف والاعتياد بسبب المقاربة . وذاك صاحب المدينة ينام

قرير العين هادئ البال بعد أيام أو أسابيع من سكناه البادية .

وليتجلى لنا أثر التقارب والتباعد في غياب حرمة الحِمى وخطره وشناعة

المحرمات واستشعار ذلك فإننا نتدارس هذا النص النبوي :

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم : « مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها لعشر سنين ،

وفرِّقوا بينهم في المضاجع » [6] .

إن شطر الحديث الأول يرشد إلى أن التقارب من الصالحات سبيل إلى إلفها

واعتيادها وترويض النفس على قبولها والمداومة عليها ، فإذا بلغ الصبي سبع سنين

فإنه يؤمر بها فتألف أذنه الأمر بها ؛ إذ يتكرر عليه ذلك خمس مرات في اليوم

والليلة ، وتعتاد قدماه المشي إلى المساجد ، وترى عينه المصلين يترددون إلى

إعانة الربان · الصفحة ٣٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ٣٠٣