النفوس عملها السالب ، فتضخم الشك ، وتفرغ الفكر ، وتسلم متلقيها إلى مهاوي
الردى ! في مثل هذه الظروف الصعبة ، وإن تنوعت درجاتها ، تتصف القيم
المشكَّلة بالسلبية الحادة التي لا يمكن دفعها بآمال عابرة ، ويُصاب الجيل بأزمة قيمية
عنيفة ينعكس صداها على سلوكهم اليومي في مناشط الحياة كافة . والذي يحز في
النفس أن تتعامل بعض الدوائر التربوية والأكاديمية إزاء ظاهرة الهبوط القيمي لدى
الشباب بـ ( سوريالية ) غير مفسَّرة ، وذلك عندما تحلل أسبابها أي الظاهرة بضيق
أفق ظاهر ، بعيداً عن تلمس المؤثرات الفاعلة . إن الجيل الذي يُمارس فاعليته
السلبية في القيم والوعي هو على العموم ضحية العوامل المؤثرة ، وهو في الوقت
ذاته يعيش فراغاً نفسياً هائلاً يندر فيه الموجه الحكيم !
إن كثيراً من الذين نرى فيهم الشر والنزعة الجامحة لقيم المادة الطاغية ، إنما
هم في الأعم الأغلب ذوو نفوس حيرى ، قد أرهقهم الضيم الذي عايشوه ، وأودى
بهم القَيِّم غير الكفء ، ونفوسهم في الوقت ذاته نفوس عطشى لمتجرد نبيل ينتشلها
من سَوْرَاتِ الخوف والضنك في مثالها الذي تعيشه من قيم دنيا ، إلى رحاب
الطمأنينة والحب والخير متجسدة في قيم الروح الفاضلة . وهكذا كلُّ نفس تجد في
مربيها الصد والخوف ، تسعى لأمانها الضائع ، وتهش لبارقة أمل من حكيم يُخرجها
من تيه المادة إلى يقين الروح .
إن السحرة الذين حشرهم فرعون لمواجهة موسى عليه السلام مع الإشارة إلى
الفرق في المثال قد جاؤوا بنفوس ظاهرها الحرص على الشر والرغبة في المغالبة
يُقصيهم عن الود كفرهم بالله ، وذاك الخطاب الشهير يوم الزينة ؛ إذ جاء مكثفاً