من الفراغ النفسي والروحي ، وهذا الاهتمام السالب يتوجه بأوَّلية إلى النشاط الذهني
والفكري لأثرهما الكبير على المناشط الأخرى .
والحقيقة الكبرى التي لا ينبغي أن تغيب عنا ؛ أن هذه الأجيال لا تتحمل تبعة
المفارقات القيمية وحدها ؛ بل ثمة روافد كثيرة ومؤثرات عدة ، تعمل عملها في
تشكيل مخيلات التوعية لهم وللأمة بعموم ؛ فالبيت مثلاً وهو النواة الأولى للأجيال ،
كثيراً ما تنعكس سلبياته على التشكيل القيمي للشاب . وفي ظروف كثيرة يعمل
التخلخل العلائقي بين قطبي البيت على تمزيق القيم الإيجابية لدى المُشاهد الراصد
( المؤثَّر فيه ) = الابن ، ومن ثم تجد القيم السلبية طريقها الرحب في وعيه
المنعكس على سلوكه . إن كثيراً من مشكلات الشباب القيمية أياً كان نوعها هي في
الغالب حصيلة طبيعية لمآسٍ ذاقوا ويلاتها وتجرعوا غصصها ، فلم يجدوا سوى
السلوك المشين للتعبير عن رفضها والسخط عليها هذا من جهة . وهم لم يجدوا
سوى الحرية غير المؤطرة لإشباع رغباتهم النفسية الظامئة من جهة أخرى ؛ فهم
ناقمون ظامئون .
مشكلة المؤثرات التي تنصهر في مثال البيت أنها بعيدة عن إدراك حاجة
الجيل للقيم الروحية . ومشكلة آليات تشكيل الوعي أنها لا تنظر إلى النفس قدر
نظرتها إلى أهداف أخرى ؛ فالقنوات الفضائية ( الفضائحية ) تتعامل مع القيم
والمجتمع تعاملاً تجارياً صرفاً ، همها الأول والأخير : الاستقطاب . ولا بأس
عندهم أن يكون هذا الاستقطاب على حساب القيم الشعورية والروحية للمشاهد ؛ إذ
هي أبعد ما تكون عن الإسهام في تشكيل القيم الإيجابية في النشء ، ناهيك عن
القنوات التي ترمي ، أصلاً ، إلى خلخلة القيم بشكل صريح ، وكثير من الكتّاب
الصحفيين مشغول بغير شغل ، وجُلُّ دور النشر تقذف التشكيك العقدي ، ( وتسهم )
بدفع الروايات الخواء للجيل !
في هذا الجو الملوث تتشكل القيم ! غير أنها القيم المادية التي تعمل في